أملنا بالتّغيير آتٍ لا محال

أملنا بالتّغيير آتٍ لا محال

تصوير طارق قبلاوي

جاد شحرور

تأتي ذكرى انطلاق انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل، بشكلٍ مختلفٍ عن يوم ولادة الثّورة. آنذاك، انتفض الشّارع وليس أيّ شارعٍ، شارع الثّورة الحسينيّة الّذي اقتحم ودمّر مكاتب حزب الله وأمل في الجنوب لأوّل مرّة. ثورة الطّلّاب الّذين صرخوا عاليًا ضدّ القوّات اللّبنانيّة والمستقبل والمردة والعونيّة والاشتراكيّة في الشّارع. إنّها ولادة الانتفاضة الّتي انسحبت على مساحة الوطن من شماله إلى جنوبه من دون استثناء، انتفاضةٌ لم تكن مليونيّةً لكنّها كانت رافضةً لمناصرة أمراء الحرب. كانت ضدّ الأزمة الاقتصاديّة وأصبحت اليوم ضدّ الإجرام الّذي سرقنا من حياتنا في ٤ آب.

كانت الثّورة في معركةٍ ضدّ الجوع. اليوم هي ثورةٌ ضدّ القتل والإجرام، هي انتفاضةٌ لبلسمة جراح المدينة المقتولة، الّتي شوّهت ندوب القمع والإذلال جسدها. لم تعد هناك مساحةٌ لحضن أيّ مواطنٍ في جوفها. الثّورة اليوم هي ثورة مدينةٍ بكاملها، شعبٌ كاملٌ بكباره وصغاره، شوارع وأحياء وركام شاهد على إجرام الطّبقة السّياسيّة.

حرّيّتنا اليوم، لا تقاس بأرقام الانتهاكات، إنّما برفع سقف الحرّيّات وشتم وإسقاط وسحل كلّ متواطئٍ في الفساد ضدّنا، ضدّ حيواتنا. الحرّيّة ليست رقمًا، والصّحافة ليست وحدها بحاجةٍ للكلمة الحرّة، إنّما كلّ مواطنٍ هو بحاجةٍ لصوته. لو أنّ هناك مساحةً للقول وقول الكثير عن فساد الطّبقة الحاكمة، لما كانت جريمة ٤ آب لتحصل، ولما شهدنا جثثًا حيّةً بأمّ العين، جثثًا نجت من الموت الجسديّ إلى أن أصبحت بلا روح، من شدّة اليأس.

حرّيّتنا المسلوبة في بلد قنص الحرّيّات، أجبرت شعبنا على خوض البحر في قوارب الموت، وجعلت من الأقبية الأمنيّة مضافةً للنّاشطين والصّحافيّين. إنّه حكم العسكر. حكم العسكر الّذي يغذّي خزّانه من مواطنين فقراء في الرّيف والجبل، فقراء الأطراف. حكم العسكر الّذي منعوا عنه اللّحمة بكلّ بساطةٍ وجعلوا من أجساد الثّوّار لحمًا طريًّا للرّصاص المطاطيّ والقنابل المسيّلة للدّموع. هنا بلد المخابرات المسعورة والأجهزة المأجورة والجيش الخاضع والمقاومة الخادعة.

اليوم، وأكثر من أيّ يومٍ مضى، سقط عهد رئيس الجمهوريّة ميشال عون، ومعه صفقات الرّئيس الأسبق سعد الحريري شريك صديقه في انتخابات ٢٠١٨ وزير الخارجيّة الأسبق جبران باسيل، وسقط من يحاوطهما. كلّهم اليوم على طاولة الأميركيّ والفرنسيّ، ونحن نبحث عن حرّيّتنا. هناك من يهذّب هذه الطّبقة ونحن هنا نتفرّج على القصاص، وفي كلا الحالتين نحن الّذين نموت، نموت بسرعةٍ وفي بيوتنا دون أن نلمس زفت الشّارع.

١٧ تشرين ليست ذكرى نقف على خاطرها. هي مسارٌ انطلق العام الماضي ومستمرٌّ في أشكالٍ مختلفة. هذا دليلٌ على أنّ هذه الانتفاضة لن يحدّها نمطٌ ولا لغة، وهي مستمرّةٌ مع أجيالٍ قرّرت عدم الخضوع. فساد الحكّام لا تحصره كلماتٌ ولا تكفيه مقالات، لكنّ أملنا بالتّغيير آتٍ لا محال. نحن الّذين اتّفقنا على الإصلاح والتّغيير، وعرفنا أنّ البداية بإسقاط من تاجر بهذا الشّعار للوصول إلى سدّة الرّئاسة.