٣٦٥ يوم احتجاج

٣٦٥ يوم احتجاج

 

ربيع جميل

١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩، قرابة السّادسة مساءً بتوقيت بيروت، تصل رسالةٌ قصيرةٌ جدًّا على تطبيق واتساب: الرّينغ مقطوع. أفراد يقفون بسيّاراتهم وسط الطّريق احتجاجًا على المقترح الضّريبيّ لمحمّد شقير، وكانت قد سبقتهم دعواتٌ للتّجمّع والاحتجاج في وسط بيروت. توالت الرّسائل على مختلف “غروبات” الأصدقاء وزملاء العمل؛ الاحتجاج يمتدّ لناحية باب إدريس مع تجمّعات في ساحة رياض الصّلح. قطعٌ للطّريق في ذوق مكايل. جموعٌ في النّبطيّة. أحدهم يتحدّث عن تحرّكٍ شعبيٍّ في المشرّفيّة. آخر يُشارك رسالةً تدعو لتسكير مدخل بعلبكّ (الجبليّ) ابتداءً من السّاعة العاشرة مساءً. تتوالى الرّسائل، من مجموعةٍ “واتسابيّة” إلى أخرى، ويستمرّ الوضع واتسابيًّا هكذا حتّى وصول خبر إطلاق نارٍ من قبل مرافق أكرم شهيّب لتفريق جموعٍ محتشدةٍ تحاصر موكبه.

إطلاق نارٍ وُوجه بلا خوفٍ المتظاهرين والمتظاهرات، وبتلك “اللّبطة المباركة” الّتي سدّدتها إحداهنّ في وجه المرافق الّذي عكس بذعره ولا إدراكه لما يحصل هلع السّلطة ورعبها ممّا آلت إليه الأمور في القادم من الأيّام. كان هذا المشهد تكثيفًا لسلسة الأحداث الّتي توالت؛ فانكسار مرافق أكرم كان عمليًّا يؤشّر إلى احتمال انكسار سلطة أمراء ومجرمي الحرب الأهليّة، المتحوّلين لرجالات دولة ما بعد الطّائف، بالتّحالف مع المطوّرين العقاريّين والمصارف، أمام النّاس. انكسارٌ كان علينا أن نراه في سياق التّراكمات التّاريخيّة منذ انتفاضة سائقي التّاكسي في شباط ٢٠٠٤، لانتفاضة الكهرباء في مار مخايل في العام ٢٠٠٠ والرّدّ النّوعيّ الّذي أحدثه الرّبيع العربيّ في خريف ٢٠١١ مع الحراك الشّعبيّ المُطالب بإسقاط النّظام الطّائفيّ وما تلاه من احتجاجاتٍ في العام ٢٠١٥ والّتي شكّلت العنوان الأبرز لنموّ حالاتٍ جديدةٍ من المجموعات الاعتراضيّة العصيّة على الاحتواء وتطرح خيار القطع الكلّيّ مع المكوّنات الحاكمة.

مع ازدياد الزّخم الميدانيّ واتّساعه جغرافيًّا وقطاعيًّا، شكّلت لامركزيّة الاحتجاج تحدّيًا رئيسيًّا لأحزاب السّلطة وقوّاتها الأمنيّة النّظاميّة كما لميليشياتها الأمنيّة والشّبه عسكريّة. فالأحزاب الّتي اعتادت العمل السّياسيّ المؤطّر في ثنائيّتي ١٤ و٨ آذار كانت أمام حالاتٍ اعتراضيّةٍ مبهمةٍ تنظيميًّا. فالنّاس لم تتحرّك عبر حملاتٍ “فيسبوكيّةٍ” واضحةٍ كما حصل في ٢٠١١، وليس عبر مجموعات نخبٍ مدينيّةٍ متركّزةٍ في بيروت كما في الـ ٢٠١٥. المستجدّ في الأمر كان ابتداع علاقاتٍ تنظيميّةٍ محدّدة المهام والوظائف والطّبيعة، وكانت مجموعات المحادثة على تطبيق الواتسأب أصدق تعبيرًا لها. أضحت العلاقة ما بين الفرد والجماعة مرنةً بشكلٍ كان يصعب فهمها حتّى على النّاشطين أنفسهم. فمن يكون اليوم في مجموعةٍ قد يغادرها غدًا إلى مجموعةٍ أخرى لكنّه لا يغادر مركزيّة فعل الاحتجاج.

أصبحت الجماعة السّياسيّة عبارةً عن مجموعة واتساب لا هرميّة تقوم على آليّات عملٍ تحتّم السّرعة في التّواصل ونقل المعلومة وصولًا إلى التّنفيذ. هكذا، تشكّلت مجموعاتٌ لكلّ شيءٍ تقريبًا، تعارضت وتقاطعت فيما بينها، تبادلت المعلومات، توزّعت المهام ونسّقت الجهود ميدانيًّا. فكانت هناك “غروبات” لرصد ونشر معلوماتٍ عن حركة ميليشيات السّلطة وأخرى لتوثيق انتهاكاتها وإيصالها لوسائل الإعلام. في الوقت عينه، تشكّلت مجموعاتٌ لتنسيق قطع الطّرقات وأخرى على مستوى الأحياء، وحين لعبت السّلطة بسلاح المدارس لفرض كسر الإضرابات، ظهرت مجموعات الطّلّاب الثّانويّين كمنقذٍ أساسيٍّ لاستمراريّة الفعل الاحتجاجيّ. بالمحصّلة، ومع تطوّر الأحداث، أصبحت السّلطة بأجهزتها السّياسيّة والأمنيّة (النّظاميّة والحزبيّة) والماليّة والاجتماعيّة أمام حالةٍ من العجز على إدراك تسارع كرة الثّلج الاعتراضيّة.

فكيف يمكن منع مجموعات واتساب من الاجتماع أو منع توزيع بيانٍ سياسيٍّ/دعوةٍ لتحرّكٍ توزّع على المنصّات أو حتّى اعتقال قياداتٍ عشرات المجموعات الواتسابيّة الّتي تدعو لعشرات الاعتصامات في عشرات النّقاط الموزّعة جغرافيًّا في الوقت عينه أو على امتداد ساعات النّهار. كان هناك ألف قضيّةٍ وقضيّة وجدت من يتحرّك لأجلها وبطريقةٍ غير منسّقةٍ لكن متّسقة ومتقاطعة على حتميّة القطع مع منظومة نهب البلد.

باختصار، في مرحلةٍ ما، شكّلت لامركزيّة التّنظيم وعشوائيّته (أحيانًا) وابتعاده عن التّجمّعات المركزيّة “المليونيّة” الضّربة القاضية الميدانيّة الّتي كان على أحزاب السّلطة وميليشياتها التّعاطي معها عند كلّ يوم. هكذا، لم يكن أمامها سوى العودة للبطش والتّهديد بالتّصفية الجسديّة وسيلةً لمحاورة النّاس؛ فنموذج العراق كان مثالًا حيًّا عمّا يمكن الانزلاق نحوه. خرج مسلّحو حركة أمل في صور والزّهرانيّ وتبنين وسحلوا النّاس. بالشّراكة، أرسل حزب الله ميليشيات “الحماية” – الرّديف اللّبنانيّ للباسيج – لضرب النّاس في النّبطيّة وبعلبكّ وبيروت وعلى جسر الرّينغ. بالمقابل، أطلق عونيّون وجنبلاطيّون وحريريّون النّار على النّاس في مناطق متفرّقةٍ من لبنان. كان الرّصاص والقتل والسّحل وفقء العيون الرّدّ الأوّل لميليشيات السّلطة وأجهزتها الأمنيّة.

في السّياسة، انعكست لامركزيّة التّنظيم والقيادة تنوّعًا في الخطاب والقضايا الّتي حملها المحتجّون. فمن إسقاط سلطة رأسمال، وصولًا إلى مواجهة النّظام الأبويّ القاتل، مرورًا بمافيات لتهرّب الجمركيّ وحقّ النّساء بحضانة أطفالهنّ والدّفاع عن حقوق المودعين واستعادة الأموال المنهوبة؛ كان على أحزاب السّلطة مواجهة مئات العناوين السّياسيّة والاجتماعيّة والماليّة والنّقديّة وتقديم إجاباتٍ لأسئلةٍ لطالما ظنّوا أنّها لن تطرح. فمن كان يظنّ أنّ على وليد جنبلاط أن يضطرّ للدّفاع عن نفسه في ملفّ كارتيلات النّفط وأن يقوم جبران باسيل، منصورًا بعلي عمار، بتبرير الجدوى من سدّ بسري أو أن يخسر حسن فضل الله فزاعة الملفّات الّتي لم ترَ النّور وأشباح الفاسدين الّذين يطاردهم في مطوّلاته الكلاميّة. كما لم يتوقّع حزب القوّات اللّبنانيّة فشله في محاولة ركوب الاحتجاجات وإعادة تدوير نفسه كحزبٍ معارضٍ تمامًا كما حصل مع سعد الحريري.

هكذا، فشلت محاولات حزب الله في الأيّام الأولى لاحتواء الهبة الشّعبيّة – بعد أن عسكر ضبّاط حربه النّاعمة وماكينتهم الإعلاميّة على أدراج مصرف لبنان – ومحاولة تأطيرها في كباشه السّلطويّ مع شركائه في الحكم – كمقولة “أنا أوّل يومين كنت مع الثّورة، بس بعدين حسّيت في شي أكبر منّي ومنّك” – لينتقل مباشرةً للإعلان عن نفسه كالحزب القائد لنظام المحاصصات والرّافعة الأساسيّة له. هكذا، سُمح للمصارف التّصرّف بحرّيّةٍ تامّةٍ، فكان إقفالها المتكرّر الّذي فاقم الأزمة وأجّجها خطّ الهجوم السّلطويّ الأوّل على النّاس ومدّخراتهم. ليستكمل ردّ فعل السّلطة بخطاب التّخوين والحديث عن الأجندات الخارجيّة ودور السّفارات الّذي خرج به الأمين العامّ للحزب في خطاباته المتسارعة. بالمقابل، كانت قوى الاحتجاج تمعن في تحشيد النّاس على معاداة القوى الحاكمة ومراكمات “الانتصارات” الأخلاقيّة على الأحزاب الحاكمة. أمام هذا المشهد، أُعلن إفلاس البلد وأغرق السّوق باللّيرات المطبوعة حديثًا وبقيت الاحتكارات واتّسعت وأصبح صندوق النّقد الدّوليّ خشبة خلاص النّظام.

في ١٧ تشرين الأوّل ٢٠٢٠، بيروت نصف مدمّرة، ودائع النّاس متبخّرة، البنوك سيّدة نفسها، صفر محاسبةٍ للمسؤولين الماليّين والسّياسيّين عن الانهيار الماليّ، رياض سلامة في حاكميّة مصرف لبنان، نبيه برّي يسحب أرنب ترسيم الحدود الجنوبيّة مخشبة خلاصٍ لاستخراج الغاز وتمويل الانهيار وإعادة تعويم القطاع المصرفيّ، سعد الحريري يعود للتّفاوض على تشكيل الحكومة كمفوّض ساميّ لفرنسا ومدعومًا بمنحةٍ ماليّةٍ إماراتيّةٍ لإعادة تشغيل ماكينته الإعلاميّة.

جبران باسيل يفاوض على تحييد نفسه من العقوبات الأميركيّة، وحزب الله يخوض معركة التّفاوض الأميركيّ الإيرانيّ بالحديد والنّار مستثمرًا بالمزيد من نظريّة المؤامرة والتّخوين والتّرهيب الطّائفيّ الذّاتيّ. وفي ضفّة الثّورة، طوباويّةٌ اعتراضيّةٌ أصبحت على مشارف استهلاك نفسها وغياب النّيّة الجدّيّة لبناء سلطةٍ سياسيّةٍ بديلةٍ تنافس سلطة الأمر الواقع. مجموعات الواتساب خفّ وهجها التّنظيميّ وفقدت قيمتها المضافة، ولامركزيّة العمل الميدانيّ أضحت عبئًا كونها لم تنجح في تطوير استراتيجيّات مواجهةٍ مباشرةٍ على المديين المتوسّط والبعيد. بين هاتين الضّفّتين، راكم النّاس الكثير من الخوف والقلق، فكان عليهم مواجهة الأحزاب الحاكمة وميليشياتها، ومحاولة البحث عن تعويض خسائر مدّخراتهم وتفادي الإصابة بوباء الكورونا حتّى الرّابع من آب حين فُجِّرت بيروت ودمّرت أجزاء كبرى منها.

ما العمل؟ ربّما لا عمل ممكن الآن بانتظار اكتمال الانهيار الماليّ والنّقديّ الكلّيّ وما سيترتّب عليه من نتائج اجتماعيّة. لا وصفة سحريّة بالتّأكيد. فالسّلطة تحتكر الغذاء والمال والسّلاح والدّواء، المقوّمات لإعادة تدوير نفسها وضمان استمراريّتها. لكن هل من مستحيلٍ في العمل السّياسيّ؟ بالتّأكيد لا. وهل من بديلٍ عن مواجهةٍ سياسيّةٍ شاملةٍ تؤسّس لسطلةٍ بديلةٍ لا تعترف بسلطة احتلال لبنان القائمة حاليًّا؟ أسئلةٌ تبقى للميدان مهمّة الإجابة عليها. لكنّ الثّابت الوحيد أنّ الطوباويّة وحدها لا تستعيد الأوطان وهذا ما على مجموعات الواتساب الثّوريّة إدراكه.