مشروع روايةٍ

مشروع روايةٍ

فوزي ذبيان

المكان الّذي لا يؤنّث لا يعوّل عليه ( ابن عربيّ)… كما الآخرين، كنت أفرّ من هول هؤلاء. وقعتْ أحداث هذه القصّة في الثّلث الأخير من شهر تشرين الأوّل من العام 2019، وسط العاصمة بيروت. كنت أظنّ أنّ الثّورات تقوم فقط على الحناجر ورفع القبضات وعدم الخوف من بطش القوى الأمنيّة. ثمّة فتاةٍ بلبلتْ برأسي هذه الأشياء.

آلاف الحناجر كانت تصدح بتلك الشّعارات إلّا هي. اتّخذت من حافّة الرّصيف مقعدًا لها وقد ولّت حشود النّاس ظهرها. كانت تنساب مع خطوطها على الجدار وكأنّي بهذا الجدار الّذي قد انتصب بثقله في هذا المكان يتهيّأ عبر خطوط الفتاة للتّلاشي، للتّفتّت، للتّبعثر عن وجه المدينة.

احتشد خاطري بأفكار كثيرةٍ وقد استولت على ناظري. لم تكن في المكان، إنّما المكان هو من كان يقوم عبرها.

كان حشد النّاس يرعد إلّا هي. لدى التّمعّن في المشهد مليًّا، أيقنتُ أنّ ثمّة تواطؤ بين الخطوط وهذه الفتاة. أنبأتني الخطوط أنّها بمسيس الحاجة إلى تلك الفتاة. ليست المدينة جدرانًا منتصبةً، إنّما هي خطوطٌ منسابةٌ إلى أعالي السّماوات، إلى ما بعد الإله. مدينة هذه الفتاة رائعةٌ كمقدّسٍ طازجٍ لم يدنّسه الرّبّ بعد.

إنّها مدينةٌ بغاية الثّبات كطائرٍ حرٍّ يحفر السّماء بجناحين مطمئنّين. تواثبتْ في ذهني الأفكار وأنا أشاهد بيروت طيرًا. لم تولّني الفتاة نظرةً، لم تأبه لانغماس عينيّ بها وأحسب أنّها قد استقرّت هناك في بيروت من صنعها. كان الحشد يزاحم بعضه إلّا هذه الفتاة هناك، هي وحيدةٌ إلى حدّ الغياب، إلى حدّ النّبوّة.

إنّها بمتناول أعين الجميع لكنّها خارج طائلة النّظر. لا تلمّ بمسامعها أصواتنا، هتافاتنا، صخبنا، مرحنا ولا الهيلا هيلا هُوْ خاصّتنا. لقد تماهت مع خطوطها حتّى أضحت هي عين هذه الخطوط. فتاةٌ مراهقةٌ في بيروت تقول لبيروت: أنا أنتِ.

ليست مدينتنا كما طالعتني هذه الفتاة إلّا فتاة تأبى الانخراط في عالم العجائز من أصحاب المعالي والسّماحة والفخامة وغيرها من يباس المقامات. كانت حشود النّاس تتدافع إلّا هذه المراهقة الهشّة، كانت بمنتهى الثّبات والخفّة كدوّار الشّمس في حقلٍ عند المغيب.

أراها تدلّل بيروت وتوفيها حقّها من العناية والوجود عبر خطوطٍ كالزّمن، لا تبدأ ولا تنتهي. درجت العادة أنّ المدينة هي حاجة النّاس للمعيش، حاجتهم البخسة لمجرّد الأكل والشّرب والسّكن والتّكاثر . كلّا ( بِدَويّ الصّوت). خطوط هذه الفتاة تقول إنّ المدينة هي محض رغبة، إنّها رغبةٌ مطلقة. ليس الجدار حاجة المدينة بحسب هذه الفتاة، إنّما المدينة هي رغبةٌ مطلقةٌ بالقفز من فوق

الجدار. تولّتني الدّهشة وأخذتْ بمجامعي وأنا أشهد ولادة مدينتي الّتي أحبّ. زيّنتُ لنفسي أنّ ثمّة بيروت أخرى تتهيّأ عبر هذه الفتاة. انسلختُ بكلّي عن حشد النّاس، وصرت هناك في تلك المدينة؛ سلكت دروبها، ارتشفت القهوة في مقاهيها، تنسّمت عبير عطرها وتفيّأت ظلال أشجارها الكثيرة.

ليست خطوط هذه الفتاة مجرّد مجاز . لقد أسكنتني في أفقٍ تبدّى فيه المجاز حقيقةً والحقيقة مجازًا . نعم، لقد أسكنتني هذه الفتاة حقيقة المدينة الّتي أرغب منذ أن كنت هنا. أسكنتني هذه الحقيقة للحظات، للحظاتٍ قلائل لسوء الحظّ إذ ثمّة مجاز قاسٍ كان يصيح “شيعة… شيعة” نخر هذه الحقيقة عبر درّاجاتٍ ناريّةٍ كثيرةٍ وعبر لكماتٍ انهالت فوق وجه الفتاة وفوق وجهي وفوق وجوه كلّ النّاس الّذين يتلمّسون هذه الحقيقة، هذا الحلم. تبدّد المشهد عبر قتامة عصي هؤلاء وعرج درّاجاتهم وبؤس قسماتهم وعبر تلك القبضات المسكينة الّتي انهالوا بها علينا. خالستها النّظر.

كانت على بُعد خطواتٍ منّي تركض وقد شدّت كفّها بما واتاها من قوّةٍ فوق أقلامها. كانت تجهش ببكاءٍ مكتومٍ وهي تتدارى عن بطش هؤلاء وهولهم المهلهل الشّاحب. كما كلّ الآخرين، كنت أفرّ من أمامهم وأنا أردّد على نفسي عبارةً قرأتها منذ يومين في روايةٍ: “لست أدري لماذا يكره إله هؤلاء المساكين المدن!!!”