الثورة الطلّابية

الثورة الطلّابية

تصوير حسين بيضون

حازم المغربي

انطلقت الانتفاضة في 17 تشرين الأوّل وأقفلت معها المدارس والجامعات القامعة لأكثر من شهرٍ، فأُتيحت للطّلّاب الفرصة للتّعبير عن آرائهم السّياسيّة والاجتماعيّة. فقد أدّت الانتفاضة إلى تغييرٍ جذريٍّ في حياة الطّلّاب والشّباب والشّابّات.

بعدما كانت المدارس والجامعات مُبعدةً عن الأحداث السّياسيّة، أصبحت هي الحدث مع بدء الثّورة الطّلّابيّة الّتي أطلقت حراكًا طلّابيًّا واسعًا متّحدًا تخطّى قوقعة الإدارات ومحاولاتها في تقليص احتكاك وتواصل الطّلّاب مه بعضهم البعض. فشلت الإدارات في السّيطرة على الطّلّاب وقمعهم، فخرج طلّاب ثانويّة مارون عبّود الرّسميّة في عاليه وطلّاب اللّيسيه في الشّوف من صفوفهم حاملين حقائبهم، مغلقين أبواب مدارسهم وهم يصرخون “ثورة”. عندما صَعُبَ على طلّاب الجامعة الأميركيّة للعلوم والتّكنولوجيا إغلاق جامعتهم بسبب القمع الّذي تعرّضوا له، حضر الطّلّاب من مختلف الجامعات لدعمهم ومساعدتهم، وأُغلقت الجامعة بقوّة الطّلبة وإرادتهم. لم تخلُ الثّورة من المسيرات الطّلّابيّة الّتي انطلقت من كلّ المناطق، أبرزها: بيروت، طرابلس وصور.

هذا ما انعكس على الحياة المدرسيّة والجامعيّة بعد عودة الطّلّاب إلى مقاعد الدّراسة. فأصبح الصّرح التّعليميّ من أساسات العمل السّياسيّ في لبنان، وفتحت النّقاشات السّياسيّة في الصّفوف والأروقة والملاعب، ما زاد الوعي السّياسيّ لدى الشّباب والشّابّات والطلّاب، كما أدّى إلى قمعٍ غير مسبوقٍ من قبل الإدارات فصدرت قرارت منع الحديث السّياسيّ في الجامعات وأُلغيت الانتخابات الطّلّابيّة في كلّ الجامعات خوفًا من خسارة أحزاب السّلطة فيها.

لكنّ هذا كلّه لم يوقف الطّلّاب المنتفضين، إنّما زاد من إصرارهم وعزمهم في محاربة المنظومة الحاكمة المسيطرة على الجامعات والمدارس. وزاد من التّواصل بين المجموعات والنّوادي الطّلّابيّة من مختلف الجامعات. هذا التّواصل والتّنسيق زاد مع مرور الأشهر ولم يضعف، وشهدنا حملات جامعة لكلّ الطّلّاب أبرزها “دولرة الأقساط” و”إقرار العقد الطّلّابيّ” و”التّعليم مش سلعة” و”إقرار الدّولار الطّلّابيّ”. كلّ هذا زاد من جدّيّة العمل السّياسيّ والتّغييريّ للطّلّاب، وجمع النّوادي والمجموعات الطّلّابيّة السّياسيّة في إطار عملٍ جامعٍ، كما أدّى إلى تأسيس تحالفٍ طلّابيٍّ واسعٍ جمع كلّ المجموعات والنّوادي الطّلّابيّة السّياسيّة في الجامعات الرّسميّة والخاصّة ومجموعات الطّلّاب المغتربين والقطاعات الطّلّابيّة في المجموعات السّياسيّة الثّوريّة والمعارضة.

ولهذا التّحالف أهدافٌ ومطالب محدّدة أهمّها تثبيت الأقساط باللّيرة اللّبنانيّة على الـ1515 من خلال إقرار عقد طلّابيّ بين الجامعة وطلّابها، إقرار انتخابات تمثيليّة وتشريعيّة عادلة في كلّ الجامعات الخاصّة والجامعة اللّبنانيّة، وحماية حقّ الطّلّاب في النّشاط السّياسيّ الحرّ ودون استنسابيّة خاصّة تجاه الطّلّاب المستقلّين والمعارضين وعدم وضع أيّ قيود على النّوادي الطّلّابيّة.

لم يقتصر دور الطّلّاب على المطالبة في التّحرّكات فقط، بل أخدوا الأمر بالتّغيير من خلال العمل النّقابيّ. فمع بدء العام الدّراسيّ الجديد، بدأت دورةٌ جديدةٌ من انتخابات المجالس الطّلّابيّة في الجامعات. الطّلّاب المنتفضون قرّروا خوض هذه الانتخابات بكلّ الإمكانات الموجودة لديهم. كذلك، افتتحت دورة الانتخابات بالانتخابات الطّلّابيّة في الجامعة اللّبنانيّة الأميركيّة. فبعد أن تمّ تأكيد المرشّحين والمرشّحات المستقلّين، حظوا بدعمٍ غير مسبوقٍ من الطّلّاب في مختلف الجامعات خصوصًا من النّوادي العلمانيّة وطلّاب الجامعة اللّبنانيّة، ومن المجموعات السّياسيّة الثّوريّة منها “شبكة مدى” و”لـ حقّي”. صدرت النّتائج بفوزٍ كبيرٍ للمستقلّين والمستقلّات في الجامعة، فربح المستقلّون تسعةً من خمسة عشر مقعدًا في بيروت، وخمسة من خمسة عشر مقعدًا في جبيل، وحصد القوّات على اثني عشر مقعدًا وحركة أمل على خمسة مقاعد مع غيابٍ تامٍّ لباقي أحزاب السّلطة؛ ما شكّل حالةً جديدةً في استحقاقٍ انتخابيٍّ لبنانيٍّ أعطى أملًا لكلّ النّاس المنتفضة بالتّغيير. أمّا بالنّسبة إلى الانتخابات الطّلّابيّة في باقي الجامعات، فما زال مصيرها مجهولًا. معظم الجامعات لا تقوم بعمليّة الانتخابات، منها الجامعة اللّبنانيّة، والجامعات الأخرى لم تعلن مواعيد الانتخابات حتّى الآن، ويتّجه عددٌ منها إلى إلغاء الانتخابات هذه السّنة خوفًا من خسارة أحزاب السّلطة مجدّدًا.

أثبت الطّلّاب، وما زالوا، أنّهم يتمتّعون بالقدر الكافي من الوعي السّياسيّ للتّغيير والنّهوض بالبلد، وأنّهم الحجر الأساس لهذا التّغيير. كما أثبتوا، بدون شكّ، أنّ القوّة للطّلّاب.