آرتساخ ووعد الحكم الذّاتيّ

آرتساخ ووعد الحكم الذّاتيّ

مئات الآلاف يتظاهرون من أجل إعادة توحيد ناغورنو كاراباخ، أي آرتساخ، المستقل مع أرمينيا ، 1988

كتابة بانوس أبراهميان
ترجمة جسّيكا خزريك

تبدأ هذه القصّة مثل قصصٍ عديدةٍ غيرها. قوى إمبرياليّة ترسم حدودًا عشوائيّةً، تهجّر السّكّان ومن ثمّ، تنهار. لطالما تبدأ وتنتهي هذه العمليّة بتدفّقاتٍ عالميّةٍ لرأس المال، تكشف الغطاء عن صراعاتٍ عرقيّةٍ قديمةٍ، بينما تقوم بترسيخ هويّاتٍ قوميّةٍ وبتعزيز الرّيبة والخوف دائمًا.

تدور أحداث الجزء الأوّل من قصّتنا في أوائل العشرينات من القرن الماضي، عندما كانت الحرب العظمى والإبادة الجماعيّة للأرمن على وشك الانتهاء. في بداية القرن العشرين ومع إعادة تشكيل النّظام العالميّ، وجد الأرمن المتأصّلون من شرق الأناضول وجنوب القوقاز وأذربيجان الإيرانيّة أنفسهم منقسمين بين ثلاث إمبراطوريّاتٍ إقليميّةٍ وفي مواجهة أكبر إبادةٍ منهجيّةٍ في تاريخهم المأساويّ.

بينما قامت الإمبراطوريّة العثمانيّة المتعدّدة الأعراق بإعادة تأسيس نفسها كالدّولة العرقيّة التّركيّة الحديثة من خلال الإبادة الجماعيّة. انسحبت الإمبراطوريّة الرّوسيّة من المنطقة بعد الثّورة البلشفيّة وتمّ استبدال السّلالة القاجاريّة بالسّلالة البهلويّة في بلاد فارس. اشتبك الأرمن مثل الأذريّين وغيرهم في القوقاز في مناوشاتٍ عرقيّةٍ بحيث حاولت كلّ مجموعةٍ إنشاء جمهوريّتها المستقلّة.

بعد وقتٍ قصيرٍ من انضمام جمهوريّات القوقاز المنشأة حديثًا إلى اتّحاد الجمهوريّات الإشتراكيّة السّوفياتيّة، استولى ستالين على الحكم. وفي ظلّ مكايدات ستالين، بدأ الاتّحاد الجديد بالانحدار إلى الرّجعيّة. ففي محاولةٍ لإرضاء نظام أتاتورك المجاور، أعطى ستالين مدينة كارس الأرمنيّة إلى تركيا، ومدينتي ناخيتشيفان المختلطة وآرتساخ الأرمنيّة إلى أذربيجان.

يقع الجزء الثّاني من قصّتنا عند بداية انهيار الإمبراطوريّة السّوفياتيّة في أواخر الثّمانينيّات. كان وقتًا مشحونًا بالتّغييرات الهائلة في جميع أنحاء الكتلة الشّرقيّة، حيث بدأ النّظام السّوفيتيّ والدّول التّابعة له في الانحلال. عادت القوميّة والصّراعات العرقيّة آخذةً ثأرها، فأَغرقت، مرّةً أخرى، أوروبا الشّرقيّة والبلقان والقوقاز بالدّم.

في هذه الفترة، نظّم سكّان آرتساخ استفتاءً للمطالبة بالحكم الذّاتيّ. بالرّغم من نجاح الاستفتاء بالأغلبيّة السّاحقة الأرمنيّة، وجد سكّان آرتساخ الأرمن أنفسهم يتعرّضون للغزو من قبل القوّات المسلّحة الأذربيجانيّة، وذلك بعد سلسلةٍ من المذابح وعمليّات التّطهير العرقيّ ضدّ الأرمن في باكو وسومكايت ومناطق أخرى سكنتها مجتمعاتٌ أرمنيّة.

نجح أرمن آرتساخ في إبقاء الجيش الغازي في القاع، وشكّلوا جمهوريّةً مستقلّةً لا تزال غير معترفٍ بها من قبل العالم وبما في ذلك أرمينيا. أصبح هذا الانتصار ممكنًا بمساعدة ألوية تطوّعيّة من آرتساخ وأرمينيا ومناطق الشّتات وكذلك الجيش الأرمنيّ الّذي انتهى به الأمر بالسّيطرة على المناطق الواقعة بين أرمينيا وآرتساخ، وتطهيرها عرقيًّا من سكّانها الأذربيجانيّين والأكراد.

منذ منتصف تسعينيّات القرن الماضي، تمكّنت الأنظمة الأوليغارشيّة-السّلطويّة-الإقليميّة في أرمينيا وروسيا وتركيا وأذربيجان من الحفاظ على نوعٍ فعليٍّ من وقف إطلاق النّار، بالرّغم من اندلاع مناوشاتٍ صغيرةٍ بين الحين والآخر. تركّزت المصلحة المشتركة لهذه الأنظمة حول استغلال الصّراع على الأراضي واستخدامه كـ”أداة مسكّتة” لشعوبها في مواجهة الصّعوبات الاقتصاديّة والقمع السّياسيّ.

إلّا أنّ، في عام ٢٠١٨، شهدت أرمينيا ثورةً ناجحةً، بدأت بانتفاضةٍ شعبيّةٍ خاليةٍ من أيّ دعمٍ غربيٍّ أو من غطاء “حراسة” عيون موسكو المنهكة، فاستطاعت أن تقضي بالفعل على النّظام الأوليغارشيّ البالي. هذه الثّورة الشّعبيّة، الّتي نجحت بدون دعمٍ دوليٍّ، على غرار نجاح آرتساخ في المطالبة باستقلاليّتها، لم تتناسب أبدًا مع رواية كلٍّ من القوى الإمبرياليّة الغربيّة والطّغاة الشّرقيّين.

يمكن اعتبار آرتساخ نموذجًا ناجحًا للأقلّيّات المضطهدة والحركات الانفصاليّة المكافحة للأنظمة الاستبداديّة. إنّ نجاح الثّورة الأرمنيّة بإقامة دولةٍ ديمقراطيّةٍ يشكّل تهديدًا آخر لهذه الشّبكات المستبدّة.

نحن الآن في عام ٢٠٢٠. في تركيا، تسيطر الفاشيّة بالكامل، فقد صنعت ومورست على مدى العقود. أمّا في أرمينيا، ها قد بدأت الديّمقراطيّة المرهفة في الازدهار. لا يمكن السّماح بتطبيع هذين النّموذجين من الحكم الذّاتيّ الدّيمقراطيّ والاستقلال المحلّيّ في منطقة القوقاز المليئة بالحركات الانفصاليّة. يجب معاقبة آرتساخ والنّظام الدّيمقراطيّ الأرمنيّ حتّى تستمرّ الأمور كما هي، إلى أجلٍ غير مسمّى.

فالآن، يريد الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان إحياء الكيان الاستيطانيّ-الاستعماريّ الّذي ولد من الإبادة الجماعيّة والّذي، هو، يشرف الآن عليه باعتباره السّيادة الوطنيّة الوحيدة والـ”نكرو-سياسيّة” المترأسة على جنوب القوقاز والشّرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسّط والبلقان. تتحف الـ”نكرو-سياسة”، أي سياسة الموت، بصاحب السّيادة “حقّ” التّقرير من سيعيش ومن سيموت على أرض سطوته.

لجأ بعض سكّان المنطقة الرّافضين لمصيرٍ كهذا إلى المقاومة المسلّحة؛ البعض منهم جمهوريّات صغيرة وغير ساحليّة، والبعض الآخر مناطق شبه مستقلّة فيها نماذج غير مسبوقة للحكم الذّاتيّ المحلّيّ. يعكّر هذا التّطوّر السّياسيّ الرّواية الغربيّة الّتي لا تريد أن ترى في الآخر، غير الغربيّ، سوى ضحيّةً للتّعاطف معها.

للتّلخيص، إنّ آرتساخ، المنطقة المعروفة باسم ناغورنو كاراباخ ، جيب أرمنيّ، تحوّل إلى جمهوريّة انفصاليّة انشقّت عن أذربيجان وطالبت باستقلالها، في إزاء انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ وتصاعد التّوتّرات العرقيّة.

أمّا الآن، فقد دفعت سياسة تركيا التّوسّعيّة الفاشيّة المتجدّدة نظام علييف الأذربيجاني إلى هجومٍ شاملٍ، مدعومٍ من قبل ثاني أكبر جيش لحلف شمال الأطلسيّ، وآليّات الموت الإسرائيليّة المسيّرة، وعدد كبير من الجهاديّين والعملاء العسكريّين المأجورين. يتفشّى كلّ هذا السّند العسكريّ على هذا المكان الصّغير المحاط بأراضٍ غير ساحليّة؛ إنّها جمهوريّة آرتساخ الانفصاليّة المدعومة فقط من قبل جمهوريّة أرمينيا المغايرة سياسيًّا والمحفوفة بالمخاطر وكذلك الأرمن الدّوليّين، الّذين قد نجوا سابقًا من الإبادات الجماعيّة، فتشتّتوا حول العالم.

رغم أنّنا لم نشهد من قبل، في القرن الحادي والعشرين، أيّ مثيلٍ لهذه الحرب المكتملة بين جيشين دائمين، إنّها لا تزال عمليّةً عسكريّةً أفقيّةً بين كتائب عسكريّة غير مجهزّة جيّدًا بالآلات الحربيّة، ولكنّها منظّمة، وألوية دوليّة تطوّعيّة تحارب ماكينة حرب ارتحاليّة ضخمة، تشعل السّماء وتجتاحها بمركباتٍ مسيّرة، أي غير مأهولة، كما مأهولة وتستهدف العسكريّين كما المدنيّين، على حدّ سواء. قد قدّمت هذه الماكينة، ماكينة الحرب الارتحاليّة، إلى أذربيجان من قبل حلفيْها المستعمرين-الاستيطانيّين، تركيا وإسرائيل. على الأرض، يسند الجيش الأذربيجانيّ هذه الغارة الجويّة المبيدة، بالدّعم من جهاديّين وعملاء عسكريّين مأجورين يُلقون في المقدّمة ويُستخدمون كوقودٍ للمدافع.

ومن المفهوم أنّ الرّوايات المتعدّدة تأتي من أشخاصٍ ذوي خلفيّاتٍ سياسيّةٍ وثقافيّةٍ وأيديولوجيّةٍ مختلفة. هذا يشمل خطاب “كلا الجانبين” المضلّل واللّاتأريخيّ الّذي غالبًا ما يستخدم لتشويه سمعة المقاومة من فلسطين إلى أيرلندا وما بعدهنّ من النّضالات. من الواضح أيضًا أنّ الجيش الأرمنيّ، تمامًا كما الجيش الأذربيجانيّ، قد ارتكب جرائم حربٍ في الماضي، لكن إذا كنت تعتبر نفسك يساريًّا أو اشتراكيًّا أو أناركيًّا أو ماركسيًّا أو أمميًّا أو ديمقراطيًّا أو حتّى ليبراليًّا، تحتاج أيضًا النّظر إلى ما يلي.

إنّ نضال آرتساخ، نضال من أجل تقرير المصير ضدّ الاستبداد، نضال من أجل الاستقلال الذّاتيّ المحلّيّ ضدّ الحدود التّعسّفيّة، نضال من أجل الدّيمقراطيّة ضدّ السّلطويّة، نضال للحفاظ على ثورةٍ في مهدها ضدّ الأوليغارشيّة، نضال من أجل حقوق السّكّان الأصليّين ضدّ المستوطنين والاستعماريّين، نضال من أجل التّحرّر من الفاشيّة، نضال من أجل الاستمرار في إزاء الإبادة، نضال من أجل المقاومة ضدّ الإمبرياليّة، نضال من أجل النّجاة من الإفناء، نضال من أجل العدالة التّاريخيّة، والأهمّ من ذلك، نضال من أجل ذلك الوعد بأنّ الثّورات النّاجحة ومقاومة السّكّان الأصليّين والمطالبة بالحكم الذّاتيّ ليست بمجرّد أحلام طوباويّة بل هي، ممكنة.