“شو بيشبهك تشرين” يا ثورة تشرين!

“شو بيشبهك تشرين” يا ثورة تشرين!

تصوير أحمد جابر

رامي الأمين

رحل مروان محفوظ قبل تشرين. وكلاهما، تشرين ومحفوظ، يذكّراني أحدهما بالآخر.

“منرحل مثل تشرين”، أسمعها في رأسي بصوت محفوظ، مع أنّ الأغنية لوديع الصّافي (قومي تنمشي بهالدّني يا حلوة الحلوين – كلمات مارون كرم)، لكنّ نسخةً منها مسّجلةٌ في جلسةٍ خاصّة يغنّيها محفوظ بصوته بمرافقة وديع الصّافي على العود، تتفوّق على النّسخة بصوت الأخير؛ إلى درجةٍ أنّ الصّافي في الجلسة الخاصّة يقول لمحفوظ وهو “يتلوّع” طربًا: “آه يا وديع الصّافي”، في إشارة، لا تخلو من نرجسيّة، إلى تفوّق محفوظ على الأصل.

أسمعُ الصّوت يتكرّر في رأسي: “نصغر سنة / نكبر سنة / منرحل مثل تشرين”. أسمعها كما لو أنّها وشوشة أشجار في يومٍ خريفيٍّ بارد. رحل محفوظ، وكلّ رحيلٍ “مثل تشرين”، وكلّ تشرين فيه حنينٌ إلى الرّحيل، ورحيلٌ إلى الحنين. وتشرين، الشّهر، يحضر كعبقٍ في الأغنيات، يوقظ ذكريات: “بعدك على بالي / يا قمر الحلوين / يا زهر بتشرين / يا دهبي الغالي”، تغنّي فيروز. يحضر الزّهر في تشرين. في خريف الفصول، متحدّيًا منطق الزّمن، كما يحضر الزّنبق في أغنية وديع الصافي: “المعاتبة حلوة / يا زنبق بيلوي / يا عمر بالعشرين”. وعمر العشرين يلاعب المنطق، كالزّنبق، في علاقته بتشرين. يلوي رأسه على كتف الزّمن، كما تضع شارلوت (سكارليت جوهنسون) رأسها على كتف بوب هاريس (بيل موراي) في تحفة صوفيا كوبولا “ضائع في التّرجمة”. أو كما يراقص محمود حميدة هند صبري في نهاية “ملك وكتابة”. يحضر العشرون في تشرين حضور الرّبيع في الخريف، وتحضر فيه الثّورة الشّابّة، على طريقة قصيدةٍ بديعةٍ للشّاعر حسين بن حمزة: “يدُكِ العشرينيّة / تربّت على / أربعينيّات كتفي”.

الثّورة يدٌ عشرينيّة تربّتُ على مئويّة كتف لبنان. شيءٌ أشبه بمواساةٍ تسبق الرّحيل، أشبه بصرخة فيروز: “يا سنين اللي رحتي ارجعيلي / ارجعيلي شي مرّة ارجعيلي / وانسيني ع باب الطّفولة / ت أركض بشمس الطّرقات”. صرخةٌ ضدّ رحيل العمر، ضدّ خريف الأيّام، تتكرّر أقوى في تفجّعٍ على الخسارات المريرة: “وردّيلي ضحكات اللي راحوا / اللي بعدا بزوايا السّاحات”. وهي صرخةٌ تأتي بعد أن تسرد علينا فيروز قصّة حبّها التّشرينيّة بشيءٍ من الأسى: “كنّا نتلاقى من عشيّة / ونقعد على الجسر العتيق / وتنزل على السّهل الضّبابة / تمحي المدى وتمحي الطّريق / وما حدا يعرف بمطرحنا / غير السّما وورق تشرين / ويقلّي بحبّك / أنا بحبّك / ويهرب فينا الغيم الحزين”. تشبه الثّورة قصّة حبٍّ من زمنٍ مضى، بقي منها أثرٌ يعاند الزّوال لضحكاتٍ في زوايا السّاحات. والتّغيير، كما الحبيب، تنتظره الثّورة ولا يأتي: “بتذكّر شو حكيوا عليّ / لمّا نطرتْ وإنتَ نسيت / وصار الشّتي ينزل عليّ / وإجا الصّيف وإنت ما جيت”.

ذكرى الثّورة التّشرينيّة أشبه بأمنيةٍ يائسةٍ ومبلّلةٍ بمطرٍ مباغت، لا يمكن تحقيقها، فيها شيءٌ من تحدّي المنطق كما في “قومي تنمشي…”: “منطير بالأحلام / منسابق الإيّام / بحقول وبساتين”. وفيها شيءٌ من الحلم، وانتظار المستحيل، بالشّوق، على حافّة العمر كما في أغنية فيروز “ما نام اللّيل”: “خايف لتروح بالشّوق إيّامي / صاروا الإيّام عحدود تشرين”. وتشرين، كما في أغنيةٍ لمعين شريف، “من دون إنذار / عغفلة بيشتّي / وبيضيع حبّ سنين…”.

“شو بيشبهك تشرين” يا ثورة تشرين.