اليوم الحادي عشر من #الحرب

اليوم الحادي عشر من #الحرب

تصوير ماري نيكورادزي OC Media

كتابة لارا أهارونيان
ترجمة زياد شكرون

أمس، لم أكن قادرةً على كتابة أيّ شيء، محاولةً فقط الإصغاء إلى الألم الّذي يحمله النّاس في داخلهم، في هذه الأيّام.

استيقظت على رسالةٍ من ابنتي، تخبرني فيها أنّ صبيًّا من مدرستهم قُتِلَ على الجبهة.

لدينا جيلٌ آخر من الشّباب الّذين يكبرون مع أصدقاء وزملاء فُقِدوا واحدًا تلو الآخر. كلّ ذلك باسم …

لا زلتُ أذكر ذلك اليوم من العام 1989 في بيروت، عندما ذهبت إلى مدرستي بعد أن كنّا قد أمضينا عدّة أسابيع في الملجأ الّذي يحمينا من القنابل… كان هناك مقعدٌ فارغٌ في وسط القاعة، وصمتٌ مطبقٌ أخرَسَ المكان كلّه. كان المعلّمون يحاولون إخبارنا أنّه أُصيب أثناء انتظاره في طابور الخبز عندما استُهدِفَ الشّارع بالقصف فجأةً. كانوا يحاولون مواساتنا، بينما كانوا هم أنفسهم أكثر من يحتاج إلى العزاء والسَّلوى… واضطُرِرنا إلى العيش مع هذا المقعد الفارغ طوال حياتنا.

والآن أطفالنا، أولئك الّذين لم يتمّ تجنيدهم في الجيش والّذين لم يفقدوا أرواحهم على الحدود وفي البلدات الّتي تعرّضت للقصف، سيضطرّون إلى العيش مع تلك المقاعد الفارغة طوال حياتهم.

القصف العنيف مستمرّ. مدينة «ستيپاناكِرت» غارقةٌ في الكارثة، وقد دُمِّرَ «مركز شوشي الثّقافيّ» بالكامل. ولكن كلّ هذه الأشياء يمكن إعادة بنائها وتعويضها… أمّا الشَّجن والغَمّ فهما على الأجساد والحيوات المُهَشَّمة والمُحطَّمة.

تُسمَعُ أصوات أكثر سلميّة من جميع الجهات… يحاول البعض مشاركة تجاربهم في السّعي إلى عدم فقدان إنسانيّتهم.

وقّعَ الكثير منّا من أرمينيا وأذربيجان وتركيّا واليونان وألمانيا وفرنسا على بيانٍ للسّلام… هي أوراقٌ لن تساعد في وقف الحرب الآن، لكن ربّما قد تعطينا الأمل بأنّنا لم نفقد كلّ شيءٍ بعد، وبأنّنا معًا، لا بدّ أن نتغلّب على العنف والصّدمة والكراهيّة، بقدر ما نستطيع، كلُّ يومٍ بيومه، مرّةً بعد أخرى.

لغرابة الموقف، تصادف هذا العام الذّكرى العشرين لصدور قرار مجلس الأمن رقم 1325 التّابع للأمم المتّحدة بشأن المرأة والسّلام والأمن. ورقةٌ أخرى عديمة الفائدة يستغلّها العديد من الدّول لزيادة أعداد جيوشها من خلال تجنيدها للنّساء باسم المساواة بين الجنسين (!)، مع إهمال جانب الوقاية والحماية.

الآلاف من الأوراق والقرارات وخطط العمل الّتي لا تخدم إلّا لتهدئة ذنب العديد من الوكالات الدّوليّة ولتخدير عواطفهم بينما يجلسون ويشاهدون حربًا أخرى تندلع كلّ عامٍ في مكانٍ جديدٍ من العالم، لتقتل وتدمّر وتغتصب وتنهب الكثير. ومن ثمّ لكتابة المزيد من التّقارير ودعوة المزيد من الضّحايا لمشاركة آلامهم على المنصّات الدّوليّة، ليعودوا بعدها إلى منازلهم لتناول عشاءاتهم المَريئة في منازلهم الآمنة والدّافئة، وإعداد القرار التّالي لحماية النّساء والأطفال وكبار السّنّ.

توقّفت الحياة في 27 أيلول بالنّسبة إلى الكثيرين منّا من جميع أطراف هذا الصّراع.

لا أستطيع التّركيز على أيّ شيء. تُحبطني رسائل البريد الالكترونيّ البليدة وعديمة الإحساس الّتي أتلقّاها مؤخّرًا… منظّماتٌ خارجيّةٌ تدعوني لإجراء مكالماتٍ استشاريّةٍ وحضور لقاءاتٍ عبر تطبيق «زوم»، وخاصّةً تلك الرّسائل الّتي تبدأ بـ «مرحبًا، أتمنّى أن يكون نهارك سعيدًا، أكتب إليكم بخصوص…».

يبدو أنّني أنسى أنّ الحياة توقّفت فقط بالنّسبة إلينا هنا. أمّا بالنّسبة إلى بقيّة العالم، فهي مستمرّةٌ كالعادة.

ثمّ هناك ذلك الإحساس المُتفاقم والمُتنامي بالقوميّة، والّذي سيجرّنا إلى مكانٍ وخيمٍ وعاثر. أتساءل كيف سننجو من ذلك بعد انتهاء الحرب.

هناك قولٌ اعتدنا أن نكرّره فيما بيننا نحن بناة السّلام، وهو أنّ الحرب، بالنّسبة إلى الكثيرين، لا تنتهي مع الرّصاصة الأخيرة…

عندما يقول كثيرون «سنفوز»، أتوقُ إلى أن أصرخ: بماذا؟ سنفوز بماذا تحديدًا؟ أتوسّل إليكم أن تخبروني، لعلّ الإجابة تبرّدُ قلبي.