تشيلي لا تزال يَقِظةً، والكفاح مُستمرّ

كتابة مجموعة كابيلدا* – برلين
ترجمة زياد شكرون

عشنا، نحن الشّعب التّشيلي، عامًا من النّضال المكثّف ضدّ النّظام النّيوليبراليّ الّذي يحكم حياتنا، وقد استيقظنا من سبات التّحوّل إلى الدّيمقراطيّة للمطالبة بديمقراطيّةٍ مبنيّةٍ من الشّعوب، حيث نكون نحن من يقرّر مستقبلنا.

منذ عامٍ، في تشرين الأوّل 2019، أعلنت حكومة سيباستيان پينييرا عن زيادة قدرها 30 پيزو على خدمات النّقل العامّ في قطار الأنفاق (مترو) في العاصمة سانتياغو. كان طلّاب المدارس الثّانويّة هم أوّل من احتجّ على هذا الارتفاع، وتحت شعار «تهرّبوا، لا تدفعوا، طريقة أخرى للكفاح»، دَعوا إلى تهرّبٍ ومراوغةٍ واسعة النّطاق من خلال تحرّكاتٍ مشتركةٍ في محطّاتٍ مختلفةٍ في المدينة.

كانت الطّالبات الثّانويات هنّ من قفزن فوق الأبواب الدّوّارة وبدأن في تنفيذ الاحتجاجات. هكذا، اتّضح أنّ «ليسوا 30 پيزو، هم 30 عامًا». تشيلي استيقظت، والآن، الشّعب يطالب بتغيير السّياسات العامّة المتعلّقة بالعمل والصّحّة والتّعليم والرّواتب التّقاعديّة والموارد الطّبيعيّة والحقوق الإنجابيّة والجنسيّة وغير ذلك: تغيير هيكليّ مع دستورٍ جديدٍ يحلّ محلّ الدّستور الموروث من أوغوستو پينوشيه.

في 19 تشرين الأوّل، أعلن الرّئيس سيباستيان پينييرا حالة الطّوارئ، ليرفقها بقرار حظر التّجوّل في اليوم التّالي؛ ثمّ، أعلن: “نحن في حربٍ ضدّ عدوٍّ قويٍّ ومُتعنّت، لا يحترم أيّ شيءٍ أو أيّ شخصٍ وهو مستعدٌّ لاستخدام العنف والإجرام إلى أقصى الحدود”. لكن لا، خرجنا إلى الشّارع بشكلٍ جماعيٍّ ونضاليٍّ، استعدنا الفضاء العام ومارسنا الرّعاية المتبادلة في مواجهة إهمال الدّولة والمؤسّسات، وطالبنا بتغييرٍ هيكليٍّ ضدّ نظام التّقاعد الظّالم والتّكاليف المعيشة المُهينة والخصخصة التّعسّفيّة لجميع السّلع العامّة.

على الرّغم من محاولات الحكومة لتجريم الاحتجاجات، إلّا أنّها لا تزال مستمرّةً بسبب الهجوم العنيف للقمع البوليسيّ. تمّ إطلاق الرّصاص المطّاطيّ مباشرةً على أعين المتظاهرات والمتظاهرين. أُصيب غوستافو غاتيكا برصاصتَين في عينيه الاثنتَين في الثّامن من تشرين الثّاني، وفي الخامس والعشرين من الشّهر نفسه، أطلقوا قنبلةً مسيّلةً للدّموع في وجه فابيولا كامپيلاي وهي في طريقها إلى مركز عملها. كلاهما فقد نظره دون أيّ تعويضٍ أو تجريمٍ حتّى اليوم. لم تكن الدّولة قادرةً على النّظر إلى ما وراء التّخريب الحاصل في التّظاهرات، وقرّرت الرّدّ بالدّم والنّار فقط، من خلال مؤسّستها العسكريّة الفاسدة الّتي أطفأت مئات العيون وألقت بأطفالنا في النّهر.

علاوةً على ذلك، لم يسبّب العنف الممنهج للشّرطة العسكريّة التّشيليّة بتشويه أجساد مئات المتظاهرات والمتظاهرين فقط، بل قام أيضًا، في ممارسةٍ اعتياديّةٍ له منذ أيّام الدّيكتاتوريّة، بممارسة العنف السّياسيّ والجنسيّ على أجساد النّساء تحديدًا، وذلك من خلال المضايقات والأذى والتّهديد والتّرهيب والإساءة، بل وحتّى الاغتصاب والاستباحة الجسديّة. لهذا السّبب وأكثر، نُدين بشدّةٍ القمع الّذي تمارسه الدّولة التّشيليّة، كما وجميع الجرائم الّتي ارتكبها عملاء الدّولة والّتي حدثت في ظلّ الدّيمقراطيّة.

أدّت هذه الأزمة السّياسيّة، بالإضافة إلى وباء كوفيد-19 الّذي تلاها، إلى عواقب اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ لم يكن من السّهل التّعامل معها. اليوم، يعاني الكثير من التّشيليّات والتّشيليّون من الجوع. وفي مواجهة حكومةٍ أكثر اهتمامًا بالمحافظة على التّماثيل الاستعماريّة وبحماية المصارف، ودولة لا تضمن الحصول على الحقوق أو العناصر الأساسيّة لعيشنا، على الحلول أن تكون شعبيّةً وجماعيّة. لهذا، لطالما كانت أواني الطّبخ المشتركة موردًا لشعوب أمريكا اللّاتينيّة، وذلك منذ نشأة الاستغلال وتفشّيه. اليوم في تشيلي، تُعدُّ أواني الطّبخ الجماعيّة ضرورةً لكي تحصل العائلات في مختلف المناطق التّشيليّة على الطّعام السّاخن يوميًّا. تعمل العديد من التّجمّعات والمنظّمات المجتمعيّة على تقديم الطّعام بشكلٍ مستمرٍّ لشعبها في مختلف المناطق وفي ساحات المظاهرات، لكلّ من يحضرون ولمن يحموننا من عنف الشّرطة.

كان علينا، نحن النّساء، أن نتّحد على الدّوام لإنقاذ أنفسنا من بؤس المجتمعات الحديثة الّتي غالبًا ما تفتقر إلى البديهيّة. اليوم، نرى بشكلٍ أكثر وضوحًا المظالم الجنسانيّة الّتي نشهدها منذ قرون؛ من النّظريّة إلى الشّارع إلى وسائل التّواصل الاجتماعيّ الواسعة ووسائل الإعلام وحتّى في دوائر النّقاش السّياسيّ. منذ أيّام الدّيكتاتوريّة، ولأسبابٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ عديدة، لم تشهد تشيلي مثل هذا الحجم وهذا الاتّساع للحركة النّسائيّة، وكان على النّساء وثنائيّات الجندر والمعارضات أن يجتمعن ويتّحدن من أجل تغييرٍ ثقافيٍّ وجيليٍّ تكون فيه النّساء القادرات هنّ المبادِرات والمرجعيّات للتّغييرات السّياسيّة والاجتماعيّة الحاليّة. ومع ذلك، فإنّ إفلات المغتصبين والقتلة من العقاب لا يزال مدعومًا من مجتمعٍ ونظامٍ قضائيٍّ متواطئٍ بل ومخفيٍّ.

نحن اليوم معًا أكثر من أيّ وقتٍ مضى لأنّنا لم نعد خائفات، ولأنّنا نريد مساحاتٍ خاليةً من العنف. نحن متّحداتٌ أيضًا مع تحرّكاتٍ أخرى في أمريكا اللّاتينيّة، حيث نتضامن مع هايتي والإكوادور وبوليفيا وكولومبيا. أيضًا مع فلسطين ولبنان والسّودان والعديد من الشّعوب الأخرى المناضلة. تقف النّساء اليوم في الخطوط الأماميّة لنظامٍ اجتماعيٍّ سياسيٍّ جديد، بهدف التّغلّب على الهياكل الرّأسماليّة والتّحالفيّة والعنصريّة والأبويّة البالية. نقول إلى جميع أخواتنا * في جميع أنحاء العالم بصوتٍ عالٍ وجهوريّ: لسنا في حالة حرب، نحن متّحدات، نحن يقظات! من أجل جميع العيون المُقتلعة، من أجل جميع المتظاهرات والمتاظهرين اللّواتي/الّذين تعرّضنَ/تعرّضوا للتّعذيب، من أجل جميع أجساد النّساء* الّتي انتُهِكَت واستُبيحَت، من أجل جميع الضّحايا وعائلاتهم، لا سلام بدون عدالة، ولهذا، نضالنا مستمرّ.

*تجمّع من المعارضات والنّساء* للعمل النّضاليّ النّسائيّ في تشيلي، من العاصمة الألمانيّة برلين.