العراق… عامٌ بعد ثورة تشرين الأحمر

العراق… عامٌ بعد ثورة تشرين الأحمر

من أحشاء الكمد والكآبة، ينبثق الإيمان – جسر الجمهورية، بغداد، تشرين الأوّل ٢٠١٩

ودود حَمد

تَخلق الثّورات أبطالها. وأبطال ثورة تشرين، الّتي انطلقت في بغداد وسائر محافظات العراق بزخمٍ لم يشهد مثيله تاريخ العراق الحديث، هم الفقراء والمهمَشون. العراق الّذي يَعوم على جزيرةٍ من الخيرات والموارد الطّبيعيّة، يَرضخ ما يزيد عن ثلث سكّانه تحت البطالة والفقر والعوز. سقط الآلاف بين شهيدٍ وجريحٍ منذ الأوّل من تشرين الأوّل ٢٠١٩، إضافةً إلى اختطافات واغتيالات النّاشطات والنّاشطين المستمرّة، من أجل أن يستعيدوا فكرة الوطن العراقيّ والمواطنة.

ثورة تشرين: بداية التّغيير المجتمعيّ

ترسّخت، على مدى سبعة عشر عامًا، الطّائفيّة السّياسيّة في كلّ دوائر الدّولة بعد أن انتهج الدّستورالعراقيّ تحاصصيّةً طائفيّة-عِرقيّة. ساهم الإسلام السّياسيّ في ممارسة الانتهازيّة بين أروقة السّفارات والمموّلين الإقليميّين والدّوَليّين، وباشرت الأحزاب الإسلاميّة بتأويل صيغ متعدّدةٍ لمظلوميّاتٍ جديدةٍ ومفتعلةٍ راح ضحيّتها الآلاف من العراقيّين. شَهدَ العراق فترةً بشعةً خلال حكم حزب الدّعوة الإسلاميّ، لا سيمّا تحت زعامة نوري المالكي.

عمَدَ نوري المالكي خلال سيادته الوزاريّة إرساء أسس العنف الطّائفيّ بما يخدم ديمومة حكم منظومته الاقتصاديّة والسّياسيّة، الّتي أصبحت تُقدَّر بمئات الملايين من الدّولارات. فالمالكي سعى إلى خلق تنظيمٍ شبيهٍ بأنظمة الحكم العسكرتاريّة في أمريكا الوسطى في ثمانينيّات القرن الفائت. كان المالكي مسؤولًا عن توقيع الاتّفاقيّة العراقيّة-الأمريكيّة عام ٢٠٠٨ والّتي من ضمن بنودها اتّخاذ الولايات المتّحدة الخطوات المناسبة لتعزيز “الإجراءات الدّبلوماسيّة أو الاقتصاديّة أو العسكريّة” و”إدامة المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة” في العراق. تشكّل هذه الاتّفاقيّة، فعليًّا، انتدابًا أو وصايةً أمريكيّةً على العراق.

خلال كلّ هذا الدّم والخراب على مدى سبعة عشر عامًا وفقدانٍ للسّيادة الوطنيّة، اكتفت المرجعيّة الدّينيّة في النّجف بالعموميّات ولم تستنكر تحديدًا فساد الأحزاب السّياسيّة الشّيعيّة. المرجعيّة الشّيعيّة (ربّما تكون) قد استُدركت في الوحل السّياسيّ بعد الاحتلال الأمريكيّ، ولكن كان بإمكانها أن تخلق لها دورًا بنّاءً إلى جانب الفقراء والمعدومين بدلًا مِن أن تكون مزارًا للسّياسيّين الانتهازيّين ومنبرًا يدّعي الحياد. ادّعاء الحياد مُغرِض في هذا الواقع الّذي يستشري فيه الفساد، وتساهم الأحزاب الإسلاميّة الشّيعيّة في نشر المحسوبيّة والسّرقة بشكلٍ علنيٍّ، وتَرهن أرض العراق للأجنبيّ، وفي الوقت نفسه تُمارس التّهديد والقتل بحقّ كلّ مُعارِض.

يجب إذًا إدراك جذور فساد عمليّة المحاصصة السّياسيّة في العراق، وعدم جدوى التّغيير الجزئيّ. تحدّت ثورة تشرين هيكليّات الطّائفيّة السّياسيّة وسَطوة الدّين المسيَّس والعنف العشائريّ دون التّعالي على الموروث الثّقافيّ والدّينيّ-الفطريّ في مجتمعٍ أنهكته الحروب العبثيّة والدّكتاتوريّة والحصار الاقتصاديّ العنيف وهمجيّة الاحتلال الأمريكيّ وما تلته من سيطرة المليشيات الإسلاميّة على كلّ تفاصيل الحياة اليوميّة. ثارَ هؤلاء الشّباب والشّابّات ضدّ الواقع المرير والفساد المُستشري وتجاوزوا ثنائيّات الولاء لإيران أو أمريكا، كما تجنّبوا مظاهر العنف السّائد إلى حدٍّ كبيرٍ في تاريخ العراق السّياسيّ الحديث.

حافظت ثورة تشرين في كلّ المحافظات على سلميّتها ولم تنجرف إلى التّسلّح – رغم تفشّي السّلاح في عراق ما – بعد الاحتلال كتفشّي الفساد. وجاء ردّ فعل الحكومة العراقيّة والمليشيات المتحالفة معها عنيفًا ضدّ حجم التّغيير الاجتماعيّ والسّياسيّ الّذي دعا إليه الثّوّار. فالطّائفيّة المؤسّساتيّة هيكليّة سياسيّة-اقتصاديّة أساسًا. والطّائفة ليست تركيبةً عضويّةً طبيعيّةً في أيّ مجتمعٍ، بل تحتاج إلى منظوماتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وعسكريّةٍ تدعم وجودها. إذ تقف الطّائفة أساسًا ضدّ مفهوم الوطن والمواطنة.

من هذا المنطلق، يجب استيعاب صرخة ثائرات وثوّار العراق ضدّ هيمنة منظومة الفساد الحكوميّ والمليشيات الطّائفيّة الّتي تحميها، بل ضدَّ فكرة الطّائفة برمَّتِها. فشهدنا في العراق بداية ثورةٍ اجتماعيّةٍ كُبرى، للمرأة دورٌ بارزٌ فيها، تُبشّر بتغيّر تنظيم العلاقات المجتمعيّة.

مصطفى الكاظمي… التّبعيّة للرّأسمال والقمع المبرمج للرّأي المُعارِض

وصلَ مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة بعد أن فشلَ عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء السّابق وعضو المجلس الإسلاميّ الأعلى (حزب عمّار الحكيم الّذي بنى ضريحًا لوالده محمّد باقر بما يُقدّر بعشرة ملايين دولار، بينما ثلث شعب العراق لا يلقى فتاتًا للأكل)، في القضاء على الحراك الثّوريّ في تشرين الفائت. هذا بالإضافة إلى فشل عبد المهدي في الإسراع في خصخصة ما تبقّى من القطاع العامّ وتصفية الكوادر الوظيفيّة في “مؤسّسات” الدّولة.

تكمن أهمّيّة مصطفى الكاظمي (وهو لا ينتسب لمنطقة الكاظميّة في بغداد، بل ينحدر من مدينة الشّطرة جنوب العراق، يستخدم اللّقب ليتماشى مع الجوّ الطّائفيّ السّائد) في خبرته الغنيّة في التّعامل مع الجناح المدنيّ لوزارة الدّفاع الأمريكيّ، من ناحية، وتمرّسه بمجال العلاقات العامّة، من ناحيةٍ أخرى لا تقلّ أهمّيّةً. سيكون الكاظمي حلقة الوصل الأساس لخصخصة ما تبقّى من العراق وإنشاء قطاعٍ تجاريٍّ خاصٍّ شبيهٍ بالنّموذج الخليجيّ الاستهلاكيّ. وتتجلّى أهمّيّته أيضًا – وهذه مسألةٌ مهمّةٌ للغاية لحماية التّداول النّقديّ – في إدارة العراق بيدٍ صارمةٍ من حديدٍ ستسعى إلى تقويض نفوذ المليشيات المنفلتة، ولكن سيطلق العنان لسلطة القمع الأوليغارشيّ. بمعنًى آخر، سيمضي العراق صوب خلق ديكتاتوريّةٍ نيو ليبراليّةٍ منفتحةٍ اقتصاديًّا على العالم الرّأسماليّ ستجعل العراق سوقًا عالميًّا للاستهلاك البحت. وفي الوقت نفسه، ستُقَوَّض الحرّيّات العامّة وتضرب المعارضة السّياسيّة بعنفٍ وتُعظّم الفجوة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع.

الكاظمي محنّك سياسيًّا. ففي الوقت الّذي سيسعى لتقويض نفوذ المليشيات الشّيعيّة المنفلتة، سيستخدمها للخلاص من النّاشطات والنّاشطين الثّوريّين في سلسلة اغتيالاتٍ عنيفةٍ مستمرّةٍ في بغداد وسائر مدن الجنوب العراقيّ. وسيتبع، أيضًا، سياسة التّرهيب والتّعذيب المعروفة في العراق وسط المعارضين السّياسيّين. ففي ٢ تشرين الأوّل الجاري، ألقت قوّات الأمن العراقيّة القبض على النّاشط “أحمد الحلو” لتوصيفه الواقع العراقيّ بدقّة: انفلات المليشيات، فساد الحكومة والدّولة برمّتها وإعادة تدوير الفساد في حكومة الكاظمي نفسه، وفي الوقت نفسه صمت المرجعيّة الشّيعيّة. وأحمد الحلو من عائلةٍ شيعيّةٍ معروفةٍ من الصّعب – وفق الحسابات الرّاهنة – التّخلّص منه جسديًّا كما فعلت المليشيات الإجراميّة بحقّ النّاشطة الحقوقيّة سعاد العلي وسارة طالب و د. ريهام يعقوب وعشرات النّاشطات والنّاشطين.

الثّورة مستمرّة…

الواقع العراقيّ يحمل الكثير من التّعقيدات والتّداخلات الإقليميّة والأمريكيّة، والعراق فعليًّا مُباح. في ٦ تشرين الأوّل الجاري، هجمت القوّات الأمنيّة على موكب ثوّار تشرين متّجهًا إلى الصّحن الحسينيّ في كربلاء. كانوا يحملون صور الشّهداء الّذين سقطوا منذ تشرين الفائت. “أنا الشّهيد القادم” شعار الثّوّار الأكثر ألمًا، ولكن الأكثر وعيًا. كان القمع الحكوميّ عنيفًا كالعادة، ويُلغي خيال البعض عن حياديّة الكاظمي. حكومة الكاظمي تختلف عن سابقاتها في النّهج وليس في التّطبيق.

الطّريق إلى خلق وطنٍ مِن ركام عقود الدّكتاتوريّة والاحتلال وهيمنة الإسلام السّياسيّ طويلٌ ووعر. لكن لا خيار إلّا الثّورة. والثّورات لها جدليّتها، وتحكم ديمومتها عدّة عوامل مترابطة إلى حدٍّ كبيرٍ، أهمّها درجة الوعي العامّ والتّمسّك بمبادئها المعلنة والضّمنيّة: السّلميّة والمواطنة، وكذلك درجة التّنظيم السّياسيّ. وثائرات وثوّار العراق لم يُعوِّلوا على أيٍّ من التّشكيلات السّياسيّة المعروفة، لذا أصبح خلق تنظيماتٍ سياسيّةٍ مواكبةٍ لأهداف الثّورة ومتماشيةٍ مع متطلّبات الحياة وتطلّعات الشّابّات والشّباب أمرًا مُلحًّا.