بين أملين

بين أملين

تصوير مروان طحطح

علي هاشم

بعد عام، يمكن القول إنّ لا شيء عاد كما كان. المشهد أقرب إلى انهيار جبلٍ ضخمٍ من نفايات نظامٍ راكم السّيّئ والأسوأ على مدى عقود. انهيار مشبع بعفن العفن وسقم السّقم وكلّ موبقات الكون. والأسوأ، أنّ بناة الجبل يحفرون له مسارًا يجعل منه انهيارًا جارفًا يهدّد كلّ شيء.

إنّهم باختصارٍ يواجهون صوت التّغيير بالعبثيّة والفوضى لتحويل الأمل بالتّغيير إلى أداةٍ لليأس والقتل والسّقوط الكامل. شعارهم “أنا ومن بعدي الطّوفان”، فيصنعون طوفانهم بأيدي فقراء آخرين لم يملّوا لعب دور كومبارس فاشلٍ في فيلم الرّعب الّذي لا يعرف نهايةً.

هم ذاتهم يعودون في آخر اللّيل إلى نسائهم وأطفالهم ليشكوا، هم ذاتهم يقفون على أبواب المستشفيات ليشتروا أملًا بأيّامٍ إضافيّةٍ يعيشها أبناؤهم وبناتهم، هم ذاتهم بلا مستقبلٍ بعدما سلّموا حاضرهم لزعماء وطوائف وإقطاعٍ بتاريخٍ يشهد عليهم، لا لهم.

خلال إثني عشر شهرًا، صمدت المنظومة الحاكمة بشكلٍ أسطوريٍّ، دون اتّفاقٍ بينها توزّعت الأدوار ووزّعت أدواتها بين شارعٍ وإعلامٍ ومالٍ وعلاقاتٍ، كلّه بهدف الحفاظ على ما تبقّى.

أثبتت مجدّدًا أنّها مستعدّةٌ للتّظاهر ضدّ نفسها للبقاء، للقمع عندما يتطلّب الأمر، ولتسوّل الاعتراف الدّوليّ وتوسّله. في الوقت ذاته، المبالغة في إلقاء التّهم على الآخرين بكونهم أدواتٍ في مشاريع دوليّةٍ، وطبعًا هذا ليس بجديدٍ على لبنان وأطرافه السّياسيّة.

ففي كلّ ما سبق، إصرارٌ على العبث والفوضى كسلاحٍ لمواجهة التّغيير. الفوضى هناك استخدمت للإرباك، ثمّ لمحاولة الحشر في الزّاوية بسؤالٍ عن المشروع والقيادة الموحّدة والاستقلال عن الأجندات الدّوليّة وغيرها من العناوين الّتي تبدو لصنّاع القرار رصاصة الرّحمة لخصمهم طريّ العود.

لكن، ماذا عن مشروع المنظومة؟ ماذا عن مشاريع ورؤى طوائفها وتيّاراتها وإقطاعها؟ ماذا عن استقلالهم واتّفاقهم؟ يكفي أنّ هذه المنظومة لم تستطع، في عزّ حاجة النّاس إلى اتّفاقٍ ووضع الخلافات جانبًا بعد تفجير بيروت المدمّر، أن تجتمع على ما يمكن أن يصنع تغييرًا ولو بسيطًا في حياة من أطاحت نيترات الأمونيوم بما تبقّى من أملٍ لهم بالحياة.

لكنّ المنظومة ليست طبقةً سياسيّةً فحسب، إنّما هي فسادٌ ممأسسٌ يمتدّ عميقًا في جذور لبنان حتّى يكاد لا ينجو منه أحد. هو علاقةٌ نفعيّةٌ متبادلةٌ بين السّلطة والمواطن: السّلطة الّتي تحتمي بأكياس الرّمل الّتي تحرّكها لحظة تشتدّ العاصفة كي تتجنّب الاصطدام، والمستفيد الّذي يشعر أنّه بدون الغطاء الّذي يتمتّع به سيصبح مواطنًا عاديًّا دون رخصة سلاح، ورخصة تظليل، ودون واسطةٍ تسمح له بالحصول على بعض المنافع البسيطة الّتي بنظره تصنع له حالة “السّوبر مواطن” حيثما ذهب.

هؤلاء هم عصب النّظام وأكثريّة الشّعب، وهم مَن أمّنوا، لما كان يوصف يومًا بالنّظام الهشّ في لبنان، القدرة على أن يثبت أنّه النّظام الأكثر صلابةً في منطقة الشّرق الأوسط، بل والأقدر على تصدير نموذجه إلى المحيط مع بعض التّغييرات الّتي تناسب كلّ دولةٍ وكلّ شعبٍ.

لكنّ أمل المنظومة لم يخب من جهةٍ ثانيةٍ بمن انتفضوا عليها. فخلال أشهر قليلة، بدا واضحًا أنّ لوثة الشّقاق تنخر بقوّةٍ في السّاحات، والأسوأ أنّ الخلافات الّتي نشأت وتنشأ وستنشأ بين قوى الحراك بمعظمها تعود أصلًا إلى خلافاتٍ بين أطراف السّلطة السّياسيّة أو لها علاقةٌ بها.

ليس المطلوب من قوى الحراك قيادةً موحّدةً، في الأصل الطّبيعيّ أن تكون هناك اتّجاهاتٌ مختلفةٌ. لكنّ المطلوب ألّا تكون أدواتٍ للمنظومة السّياسيّة في وجه بعضها البعض. كما ليس مطلوبًا أن تكون قادرةً على تقديم مشروعٍ موحّدٍ، لكنّ هذا لا يرفع المسؤوليّة عن كلّ قوّةٍ على حدا لتقديم رؤيتها للبنان ومستقبله وطريق الخروج من معضلته، الّتي إلى جانب غول الفساد، صنعتها الرّؤية والمشروع المفقودان لدى القوى المنضوية في السّلطة. وهو أيضًا عاملٌ أساسيٌّ في عبثيّة طرحها وممارستها للسّلطة ومواجهتها للمنتفضين عليها.

في الذّكرى الأولى لانتفاضة ١٧ تشرين الأوّل، النّاس ليسوا بخير. جيوبهم فرغت. وظائفهم تبخّرت. عاصمتهم دُمّرت. انتفاضتهم قُمعت. لكنّهم رغم ذلك، يقفون في الوسط بين أملين: الأمل الأوّل يُحيي، يمني صاحبه بالتّغيير وإعادة بناء نظامٍ ولو طال الزّمن، بتجهيز أرضيّةٍ مناسبةٍ على مستوياتٍ متعدّدةٍ في المجتمع للوصول إلى اليوم الّذي يمكن فيه حصاد إنجازٍ حقيقيٍّ على مستوى الوطن؛ أمّا الأمل الثّاني، فهو ذاك الّذي تدفع باتّجاهه النّخبة الحاكمة، الأمل الّذي يقتل، أو بلغةٍ أسهل، خيبة الأمل.