التّطبيع مع الكيان الغاصب: ليس باسمنا

التّطبيع مع الكيان الغاصب: ليس باسمنا

عديد نصّار

لم تشهد البلاد العربيّة لا على المستوى الرّسميّ ولا على المستوى الشّعبيّ خصوصًا، أيّة ردود فعل واسعة أو صاخبة على اتّفاقيّات تطبيع العلاقات بين كلّ من الإمارات العربيّة المتّحدة والبحرين من جانب والكيان الصّهيونيّ من جانب آخر الّتي وقعت في البيت الأبيض برعاية ومشاركة الرّئيس الأمريكيّ دونالد ترامب بصفته “شاهدًا”، على ما ذُكر.

فباستثناء بعض التّحرّكات المحدودة المندّدة في فلسطين والبحرين، وبعض المقالات والبيانات والمنشورات والتّعليقات الّتي تراوحت في تناولها لهذه الاتّفاقيّات بين التّأييد والنّقد والتّنديد، لم يشهد الشّارع العربيّ أيّة تحرّكات واسعة تعبّر عن ردود فعل شعبّية. وذلك على عكس ما جرى إثّر توقيع اتّفاقيّة كامب ديفيد بين نظام أنور السّادات في مصر وبين الكيان والّتي أدّت في حينه إلى مظاهرات صاخبة في عدد من العواصم العربيّة وإلى عزل مصر عربيًّا وطردها من جامعة الدّول العربيّة.

لا شكّ أنّ الواقع العربيّ شهد تغيّرات ضخمة وعميقة في المرحلة الفاصلة بين سنة 1978، تاريخ توقيع اتّفاقيّة كامب ديفيد، وبين سنة 2020 تاريخ توقيع اتّفاقيّتي “السّلام” بين كلّ من البحرين والإمارات وبين الكيان الصّهيونيّ المحتلّ. غير أنّ هزال الرّدود الشّعبيّة اليوم قد يكون، في جانب من جوانبه، ردًّا غير مباشر على هزال تينك الاتّفاقيّتين وعنوانهما الهزليّ “السّلام”! حيث لم يسبق لدولتي الإمارات والبحرين أن خاضتا أيّة حرب أو معركة مع الكيان الصّهيونيّ، ولم يصدر عنهما إلّا ربّما بعض التّصريحات الإعلاميّة الّتي لم تخرج عن كونها من قبيل “رفع عتب” في أوقات احتدام الصّراع وتمادي الكيان المحتلّ في شن حروبه العدوانيّة في فلسطين أو على لبنان.

كما أنّ وقع “المفاجأة” في إعلان هذه الاتّفاقيّات كان أيضًا هزيلًا باعتبارها جاءت تتويجًا لمسار طويل من تطبيع العلاقات بين دول الخليج والكيان المحتلّ، أخذ أشكالًا مختلفة على مدى سنوات.

هنا، يمكننا التّمييز بين مرحلتين من مراحل عقد اتّفاقيّات السّلام وتطبيع العلاقات بين الأنظمة العربيّة وبين الكيان المحتلّ تبعًا للمبرّرات والظّروف التّاريخيّة وردود الأفعال. مرحلتان فصلت بينهما عقود حفلت بالكثير من التّطوّرات على الصّعيدين العربيّ والدّوليّ وتغيّرت بالتّالي معها المعطيات الّتي تحدّد سلوكيّات وحاجات ومبرّرات الأنظمة العربيّة الّتي لم تشهد على مدى كلّ ذلك تغيّرات حقيقيّة تواكب كلّ تلك المتغيّرات. الأهمّ من ذلك، أنّ مسيرة التّطبيع بين الأنظمة العربيّة وبين الكيان المحتلّ ظلّت وستبقى بين أنظمة وكيان، ولم ولن تتمكّن من أن تسحب ذاتها على المجتمعات العربيّة لا قبل ولا بعد.

لقد وقعت اتّفاقيّات المرحلة الأولى بين كلّ من مصر والقيادة الفلسطينيّة والأردن، بين عامي 1978 و 1994، أي بين جهات ودول شهدت على حروب وعدوانيّة الطّرف الصّهيونيّ وجرائمه بشكل مباشر بحيث يمكن القول إنّها اتّفاقيّات بين متحاربين. وكانت المبرّرات الّتي قدّمها الرّئيس المصريّ الأسبق أنور السّادات تستند إلى أنّ الحروب أنهكت البلاد وأخّرت مساعيها في التّنمية وحيث أنّه أمكن استعادة سيناء بالمفاوضات، فإنّ السّلام سيأتي حكمًا بالانتعاش الاقتصاديّ والازدهار لمصر. هذه أيضًا مبرّرات توقيع معاهدة وادي عربة بين الأردن والكيان المحتلّ.

يعني أنّ اتّفاقيّات المرحلة الأولى كانت بدواعي وقف الحروب والبحث عن السّلام والازدهار الّذي يفترض أن يأتي به السّلام وتطبيع العلاقات.

المرحلة الثّانية من تطبيع العلاقات مع الكيان المحتلّ هي الّتي أعلن عنها في البيت الأبيض الأمريكيّ مؤخّرًا بين كلٍّ من الإمارات العربيّة المتّحدة والبحرين من جانب وبين الكيان المحتلّ من جانب آخر، بداعي البحث عن “السّلام” وتعزيزه كما أعلن. لكنّ الحقيقة مختلفة تمامًا عن المعلن. فما هي حاجة كلّ من الإمارات والبحرين إلى مثل هذه الاتّفاقيّات؟ وما هي حاجات كلّ من الولايات المتّحدة والكيان المحتلّ لها؟ وماذا عن دوافع الرّئيس الأمريكيّ ورئيس الحكومة الصّهيونيّة الفعليّة لإعلان مثل هذه الاتّفاقيّات في هذا الوقت تحديدًا؟

مسار تطبيع العلاقات بين دول الخليج والكيان المحتلّ بدأ منذ سنوات، فعقدت الاجتماعات السّرّيّة والمعلنة وكانت وفود ثقافيّة ورياضيّة صهيونيّة قد كرّرت زياراتها لدول الخليج كما أنّ وزراء صهاينة تردّدوا إلى تلك الدّول، كما زار رئيس الوزراء الصّهيونيّ عمان في الفترة الأخيرة. في حين لم تعلن أيّة زيارة لمسؤولين خليجيّين إلى الكيان المحتلّ، وهي ربّما تكون حدثت بالفعل بشكل غير معلن.

أتى إعلان توقيع تطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين والكيان المحتلّ في احتفاليّة في البيت الأبيض قبل أسابيع على الانتخابات الرّئاسيّة الأمريكيّة. واضح أنّ هدف الرّئيس الأمريكيّ من ذلك تعزيز أسهمه كمرشّح لولاية ثانية. بالتّالي، فإنّها حاجة ملحّة توسّلها الرّئيس الأمريكيّ لتعزيز موقعه الانتخابيّ.
كما أنّها جاءت في وقتٍ يعاني رئيس الحكومة الصّهيونيّة من مشاكل داخليّة تعزّزها القضايا المرفوعة ضدّه بتهم الفساد. هي بالتّالي تخدم موقعه كأوّل رئيس حكومة يصنع “السّلام” مع دول الخليج ويفتح آفاقًا اقتصاديّةً واسعةً أمام الصّهاينة.

هي أيضًا تأتي في ظلّ التّوتّر الشّديد بين دول الخليج وإيران، فترى أنّها بذلك تعزّز قوّتها أمام الغطرسة الإيرانيّة في مياه الخليج والجزيرة العربيّة وسوريا والعراق.

أمّا ما يبعث على القلق وينبغي الانتباه إليه، فهو ما حقّقته شبكة الاستخبارات العالميّة من هذه الاتّفاقيّات بحيث شرّعت أبواب البلاد العربيّة وبلدان المنطقة أمامها لتمارس ما تريد من أدوار، لها التّأثير البليغ على مستقبل المنطقة.

اتّفاقيات المرحلة الثّانية لم تعد الشّعوب بشيء كما فعلت اتّفاقيّات المرحلة الأولى والّتي لم تجن الشّعوب منها إلّا مزيدًا من التّراجع في كافّة المسائل، ولكنّها تفتح الباب على مزيد من الولوج إلى تطبيع العلاقات بين “مجتمع” الأنظمة العربيّة وبين الكيان المحتلّ، ما يعزّز الفرز السّياسيّ بين الشّعوب وأعدائها الحقيقيّين من أنظمة معادية وقوى احتلال وهيمنة على المنطقة وما يؤكّد أنّ لا تحرّر ولا تقدّم ولا ازدهار لهذه المجتمعات في ظلّ سيطرة الكيان الغاصب للأرض وللحقوق والأنظمة الغاصبة لحقوق وحرّيّات الشّعوب، وينتفي عن القضيّة الفلسطينيّة أن تكون شمّاعة الأنظمة لشرعنة الاستبداد.

وفي الحالتين، لم يكن للشّعوب أيّ دور، ولا استشيرت في تلك الاتّفاقيّات، وبالتّالي فهي براء منها ولم تعقد باسمها لا قبل ولا بعد.

ولأنّ العدوّ الصّهيونيّ يدرك ذلك تمامًا وقد لمسه بالفعل في حالتي مصر والأردن، فإنّه يبقى متوجّسًا متحسّبًا من تلك اللّحظة الّتي يتمكّن فيها المجتمع العربيّ من فرض وجوده وترجمة إرادته إلى فعل سياسيّ يقلب المعادلات كافّةً داخليًّا وخارجيًّا، بما في ذلك وفي مقدّمه نسف كلّ تلك الاتّفاقيّات ورميها في سلّة مهملات التّاريخ، كونها لم تكن يومًا لتعبّر عنه أو لتترجم مصالحه التّاريخيّة في أرضه وموارده وفي بناء مستقبله.