17 تشرين: فرصة ضائعة أو لحظة في سيرورة

17 تشرين: فرصة ضائعة أو لحظة في سيرورة

تصوير نبيل اسماعيل

د. أحمد الحلّاني

“ثورة الياسمين”، “ثورة الغضب”، “ثورة الكرامة”، وغيرها الكثير من أسماء أطلقت على الانتفاضات والثّورات الشّعبيّة في البلدان العربيّة الّتي حصلت في العقد الأخير. وحدها “17 تشرين” أبقت على تاريخ انطلاقها عنوانًا واسمًا لها، لا تُذكر معه أيّ صفةٍ أو لقب.

وربّما يعود ذلك إلى أنّ فكرة انتفاضةٍ كبرى في لبنان كانت من الأمور المستبعدة، على الرّغم من أنّها أتت بعد تجربتين سابقتين، عامي 2015 و2011.

وهذا ما حدا بأبناء الانتفاضة وخصومها على السّواء إلى اعتماد الشّرارة الأولى لحظةً فاصلةً لا يكون ما بعدها كما قبلها، حتّى لو لم يكن ما يجب أن يكون. وإذا ما أمعنّا في المقارنة بين الواقع اللّبنانيّ مع ما يقابله في السّاحات العربيّة الأخرى، لفتنا أنّه في حين رفع الشّباب العربيّ في تونس ومصر وسوريا وليبيا وغيرها شعاراتٍ ضدّ الدّيكتاتوريّة، وهي أساس المصائب في كلّ زمانٍ ومكان، جاء شعار حراك عام 2011 ليعبّر عن تطلّع الشّباب في لبنان نحو كسر القيد الّذي يكبّل المجتمع اللّبنانيّ ويحول دون اتّحاد فئات الشّعب حول مطالبها ما يُذهب ريحها وبأسها، وهو شعار “إسقاط النّظام الطّائفيّ”.

من هنا، سنبحث في هذه المقالة عن مدى التصاق “17 تشرين” بهذا الشّعار وإلى أيّ مدى كان “الثّوّار” على درايةٍ بضرورة التّصويب على نقطة ارتكاز جذع النّظام الرّجعيّ التّحاصصيّ الّذي يحكمنا.

يحذّرنا مهدي عامل في كتابه “في الدّولة الطّائفيّة”، الصّادر منذ 35 عامًا، من مغبّة الانزلاق في تعريف الطّائفيّة إلى تبنّي تعريف البرجوازيّة الحاكمة لها كنظام حكمٍ للطّوائف، الّتي ينظر إليها على أنّها كياناتٌ مستقلّةٌ قائمةٌ بذاتها وذات لحمةٍ داخليّةٍ لا تشوبها شائبة.

ويدعونا بالمقابل إلى تبنّي التّعريف النّقيض الّذي يرى إلى الطّائفيّة على أنّها “الشّكل التّاريخيّ المحدّد للنّظام السّياسيّ الّذي تمارس فيه البرجوازيّة اللّبنانيّة سيطرتها الطّبقيّة”. ويريد مهدي من هذا الكلام أن يؤكّد على التّلازم البنيويّ بين سيطرة البرجوازيّة وشكل نظامها الطّائفيّ، ما يسمح لها أن تتحكّم بمجرى الصّراع الطّبقيّ في البلاد. و17 تشرين انطلقت بعد أن تمادى التّحالف البرجوازيّ الطّائفيّ/الطّبقيّ المسيطر في سلب حقوق النّاس، حتّى وصل إلى محاولة سلبهم فضاءً افتراضيًّا مجّانيًّا؛ ما أوحى للنّاس أنّ الطّبقة الحاكمة قد لا تتورّع عن أن تقدم يومًا ما على إضافة تعرفة على الهواء الّذي نتنشّقه، إذ لا رادع أخلاقيّ لها حتّى لو تشدّق زعماؤها بما صفى وعلا من مكارم الأخلاق.

لذا، هبّ النّاس بعفويّةٍ وملؤوا الطّرقات بمشهدٍ باعثٍ على الأمل بالتّغيير. وسريعًا ما اتّضح بُعيد أيّامٍ من انطلاقة الانتفاضة اصطفاف السّلطة الحاكمة كطبقةٍ بكافّة ألوانها الطّائفيّة بشكلٍ لا تخطئه عين بصيرة، لا بل إنّ مكوّناتها راحت تتقاسم الأدوار في ما بينها حتّى تعيد إحكام السّيطرة الطّائفيّة على من تفلّت من شباك هيمنتها. ولكن بالمقابل، وبرغم المشهد المشجّع لانتشار ساحات الانتفاضة على رقعة الوطن، لم يتمكّن الثّوّار فعليًّا من تأسيس تحالفٍ طبقيٍّ نقيضٍ يملك من المتانة والدّيمومة ما يملكه تحالف السّلطة. فعادت السّلطة، حتّى بمكوّناتها الّتي ادّعت الالتحاق بركب الثّورة، إلى اللّعب على التّناقضات الطّائفيّة ونجحت في أكثر من مفترق في تشتيت زخم الانتفاضة.

إذا أردنا أن نكون منصفين مع أنفسنا، نحن الّذين اتّخذنا الشّوارع بيوتًا لنا ولأحلامنا على مدى شهور، وجب علينا أن نشير بالبنان إلى بعض الأخطاء الّتي ارتكبناها، لنقيّم مشاركتنا في هذه الانتفاضة إذا كانت فرصةً لن تتكرّر، أو لنتعلّم من تجربتنا إذا نظرنا إليها، وعن وجه حقّ، على أنّها حلقةٌ في سلسلة، سيكون لها ما بعدها. ربّما يكون خطأ أو خطيئة الانتفاضة الأبرز أنّها، لا سيّما بمكوّناتها الّتي كانت على نصيب ما من التّنظيم، أعني الأحزاب الوطنيّة غير الطّائفيّة والمجموعات المدنيّة الّتي تشكّلت قبل أو بعد الانتفاضة، تأخّرت كثيرًا في بلورة خطابٍ سياسيٍّ جامعٍ يكون مظلّةً تُكسب “الثوّار” مرونةً وقدرةً على المناورة.

وهنا لا أتكلّم بالضّرورة عن قيادةٍ موحّدةٍ، ولكن عن مشروعٍ يجمع شتات الطّروحات الّتي كانت تُنثر في ساحات الانتفاضة. ولا شكّ أنّ أيّ مشروعٍ من هذا القبيل، ولكي يكون على قدرٍ من الجدّيّة التّغييريّة، يجب أن يضع شعار “إسقاط النّظام الطّائفيّ” كأولويّةٍ لقيام الدّولة المدنيّة، أي دولة المواطنة الحقّة الّتي تبني وطنًا ديمقراطيًّا حرًّا ومستقلًّا. وإذا كنت على يقينٍ من أنّ معظم المنتفضين يوافقون على هذا الشّعار، فإنّ إشهاره وجعله اللّواء الّذي نحارب تحته كان ليجنّبنا الانزلاقات في التّحرّكات الّتي سيطرت على مشهد الانتفاضة، ولا سيّما بعد أن خفّ زخمها وخفت صوتها.

أبرز هذه الانزلاقات هو الاعتماد على ردّ الفعل بدل المبادرة إلى الفعل، المدروسة واقعيّته وفعاليّته. ولعلّ المشهد الأمثل على هذا هو التّحرّكات الصّبيانيّة للتّظاهر أمام بيوت من كانت السّلطة تسمّيهم لتولّي رئاسة الحكومة بعد استقالة حكومة ما قبل الانتفاضة. إذ ظهر للنّاظر إلى هذه التّحرّكات وكأنّ كهنة معبد السّلطة، الطّاعنون في السّنّ والرّئاسة، يلعبون مع الانتفاضة لعبة كسب النّقاط بأن يشتّتوا زخمها بتحرّكاتٍ لا طائل منها. كما أنّ بعض التّحرّكات، على أهمّيّتها، كالتّحرّك أمام المصرف المركزيّ وإطلاق شعارات من قبيل “يسقط حكم المصرف”، جعل البعض يظنّ (ويجاهر!) أنّ هدف الانتفاضة هو التّخلّص من موظّفٍ هنا أو تعديل شروط عقدٍ ما هناك.

وهنا، أذكر جيّدًا أنّ أحد الرّفاق تهكّم من فكرة منشورٍ كنت أوزّعه يدعو إلى حكومةٍ انتقاليّةٍ وأصرّ على الأهمّيّة التّكتيكيّة لتحرّكات “المفرّق” كتحرّك المصرف. ولكنّي أعيد هنا ما قلته للرّفيق قبل سنة: إذا كنّا، وأمام هذا الزّخم الشّعبيّ الكبير، سنخفض سقف توقّعاتنا، فإنّنا لن نعود إلّا بخفّي حُنيْن! فقاعدة الثّورة الأثيرة على لسان أيقونتها، جيفارا، والّتي نُقشت على جدران باريس عام 1968، هي “كُن واقعيًّا واطلب المستحيل”. على أيّة حال، هذه الملامح وغيرها للتّحرّك جعلت زخم الانتفاضة يخفت أو ربّما أتت كنتيجةٍ لهذا الخفوت عينه.

كما برزت مشكلةٌ كبرى عند بعض الجماعات المشاركة في الانتفاضة، تمثّلت بأيديولوجيّاتها الّتي حكمت مساهمتها في تزخيم الانتفاضة أو بالمقابل تحويلها إلى حراكٍ مطلبيٍّ موضعيٍّ. فبعض هذه الجماعات انساق إلى ما أشاعه بعض أطراف السّلطة الّتي يرتبط بها بعلاقات تحالفٍ ما، من أنّ الانتفاض الشّعبيّ يهدف إلى تدمير مكتسبات الشّعب في قضاياه الوطنيّة الكبرى. من هنا، دخلت “خَطَابة” سياسيّة مبكّرة تُعزّز التّناقضات الدّاخليّة للمكوّنات المشاركة في الانتفاضة، فحضّرت دعاوى سياسيّة خلافيّة من قبيل نزع سلاح “المقاومة” وشكل العلاقة مع الجيران أشقّاء كانوا أو أعداء. وهنا نعود لنؤكّد أنّه لو كان هناك لواءٌ جامع، لأجبر الجميع على أن يثوّروا أيديولوجيّاتهم، لا أن يؤدلجوا ثوريّتهم.

مررنا في هذه العجالة على بعض الملامح الّتي طفت على وجه الانتفاضة بسبب غياب الخطاب السّياسيّ الجامع وعدم تبلوره حتّى في ما بعد، حين تداعت مجموعات الانتفاضة إلى اجتماعاتٍ موسّعة. ولا نقول أنّ هذا هو السّبب الوحيد لعدم تحقيق الانتفاضة أهدافها، فنحن نعلم أنّ 17 تشرين، بارقة الأمل في عيوننا وصاعقة الأجل في عيون أصحاب السّلطة في الأيّام الأولى، واجهت واقعًا معقّدًا قلّ نظيره في التّاريخ والجغرافيا.

واقعٌ لمّا يتخلخل بنيانه بعد، لتأتي الانتفاضة أو الثّورة كضربةٍ قاضيةٍ تطيح بالهيكل على رؤوس سَدَنَتِه. إذ نقول مع هيغل “إنّ الثّورة لا تسقط العالم القديم لأنّه يسقط من تلقاء ذاته، وإنّما هي دفنٌ له فحسب”. ولا شكّ أنّنا في لبنان، لسنا في هذه المرحلة بعد، وقد لا نصلها في المدى المنظور، كما أنّ الطّغمة الطّائفيّة الحاكمة وزبانيّتها لن تتنازلا طوعًا عمّا سلبتاه من قوتنا وأحلامنا. وبالتّالي تقع علينا، نحن المخالفون والمختلفون، مهمّة أن نفكّر وأن ننظّر للانتفاض الآتي، للرّفض، لتعرية الواقع السّلبيّ بفجاجته. فالتّفكير هو في النّهاية وسيلةٌ ناجحةٌ للمقاومة، لا يملك التّحالف الطّائفيّ المسيطر قيدًا يكبّلها، وقد تكون في بعض الأحيان أنجح من العمل نفسه. فكلّ من يفكّر يقاوم، وهذا ما لا يحبّذه زعيم الطّائفة الّذي لا يريد أن يحكم مفكّرين، بل مصفّقين وجنود.

بالتّالي، فالتّغيير لن يلوح في الأفق إلّا عندما تضعف قوّة “تقاليد القوقعة” الطّائفيّة، ولذلك تكون المواجهة على كافّة الأصعدة، بدءًا بالنّضال لإقرار قانونٍ مدنيٍّ للأحوال الشّخصيّة، إلى قانونٍ انتخابيٍّ خارج القيد الطّائفيّ، وصولًا إلى لبنان وطن حرّ ومستقلّ خارج قيود الطّائفيّة. إلى ذلك الحين، نقول مع أدورنو أنّ الطّريقة الوحيدة لنحفظ الأمل في البناء هي أن نرى إلى الواقع بكلّ ما فيه من يأس ونطالب بتغييره. وهذا ما يجب أن نؤسّس له نظريًّا، لأنّ التّطبيق العمليّ قد يخرج من النّظريّة في أقلّ اللّحظات توقّعًا، وهذا بالتّحديد ما أعادنا إلى مهدي عامل بعد أكثر من ثلاثة عقودٍ على كلامه، وذلك لحاجتنا الملحّة للتّنظير والتّفكير حتّى يكون “لنا الآتي في زمن التّغيير الثّوريّ”.