وماذا بعد الأرخبيل الطّائفيّ؟

وماذا بعد الأرخبيل الطّائفيّ؟

تصوير مروان طحطح

بول أشقر

مسارٌ بدأ مع الحرب – تحكّم زعماء الطّوائف بعقول النّاس لم يحدث بسحر ساحرٍ ولا بضربةٍ واحدةٍ أو بين ليلةٍ وضحاها. تحكّمهم حصل على مدى ثلاثين عامًا. إنّه نتاج مسارٍ طويلٍ، بدأ خلال الحرب حين كان ثلاثةٌ من أسياد لبنان الحاليّين على الموعد: الحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ لآل جنبلاط (مع أنّه من الظّلم وضع الجدّ في خانة الابن والحفيد)، حركة أمل الّتي سرعان ما انقضّ عليها نبيه برّي بعد اختفاء الإمام موسى الصّدر، والقوّات اللّبنانيّة وهو اسم الجناح العسكريّ لحزب الكتائب بعد 7 تمّوز 1980. أمّا الآخران، حزب الله والتّيّار العونيّ، فأخذا مكانهما بعد معارك طاحنةٍ من الأوّل مع أمل ومن الثّاني مع القوّات في النّصف الثّاني من الثّمانينيّات. فيما ملأت الحريريّة بمواردها الماليّة، الّتي كانت تُقارن بحجم النّاتج القوميّ، الفراغ الّذي تركته المقاومة الفلسطينيّة في فضاء السّنّيّة السّياسيّة.

الإنسان ذو البعد الواحد – بالعودة إلى المسار، مع بداية الحرب، استباحت الأحزاب-الميليشيات نوادي البلدات واحتلّت المناطق الّتي بقيت تحت سيطرتها حتّى بعد زوال خطوط التّماس. واحتُلّت الدّولة واستُبيحت النّقابات ولم تُترك هيئةٌ مجتمعيّةٌ خارج نفوذهم مع مجيء السّلم، وقد بسّطوا كلّ تعقيدات المواطنين، محجّمين النّاس إلى مجرّد كائناتٍ طائفيّةٍ في ترجمةٍ لبنانيّةٍ لما أسماه الفيلسوف هربرت ماركوز في السّتّينيّات “الإنسان ذو البعد الواحد” one-dimensional man. وفي لبنان، حصر الإنسان بـ”بعده” الطّائفيّ ما سمح للأحزاب – الطّوائف بالسّيطرة على المجتمع من خلال إلغاء شبكة العلاقات المعقّدة واستبدالها بشبكةٍ مبسّطة، لم يعد للفرد ومنطقته أو مهنته أو ذاتيّته دورٌ فيها.

أرخبيل الطّوائف – إذا ألغيت المناطق والنّوادي والمهن والنّقابات والذّاتيّات، واستبدلتها بالهويّة الطّائفيّة، تكون قد صحّرت البلد. وعلى هذه الأرضيّة المصحّرة، صار من الممكن أن تتحكّم بعقول النّاس وأن تربطهم بكَ من خلال مصالحهم وأن تحكمهم في نظامٍ تصحّ تسميته بأرخبيل الطّوائف. إنّه أرخبيل لأنّه سلسلةٌ من الجزر. وهذا يسمّي “جزيرته” بيئتنا وذاك يسمّي “جزيرته” جماعتنا… وكلّهم استحسنوا كلمة مكوّنات لتحاشي الحديث عن الشّعب الواحد. وكون النّاس مصنّفةً مسبقًا، فإنّ الأحزاب – الطّوائف الّتي تقودها ليست بحاجةٍ إلى برامج. وتتلخّص الحياة القبليّة هذه داخل الأرخبيل بالصّراع على الموارد.

أين؟ داخل الدّولة وخارجها. أمّا الصّراع داخل الدّولة فيحلّ بلجوء زعماء الأحزاب – الطّوائف إلى “قسمة” موارد الدّولة في ما بينهم. وإن اختلفوا، يلجأوون إلى “كربجة” الدّولة، أو بالأحرى ما تبقّى منها، وعند الحاجة يعطّلون البلد من بكرة أبيه؛ ما جعل النّاس تقول ببساطةٍ “بيختلفوا فينا وبيتّفقوا علينا”. أمّا مفهوم الدّولة (على علّاته)، الّذي كان سائدًا حتّى عهد الياس سركيس، وفكرته الأساسيّة أنّ الدّولة – ولو أخذت بالحسبان مصالح الطّوائف – تبقى إلى حدٍّ ما (أكثر أو أقلّ) مستقلّةً عن مصالحها. فهذا المفهوم دُفن يومًا بعد يومٍ، في أعماق البحر الّذي يحيط بالأرخبيل.

وجاء 17 تشرين – من حيث لم ينتظره أحد، من حيث لم يتوقّعه أحد، من حيث لن يعيده أحد، طلّ 17 تشرين… موجّةٌ ولدت تحت أسس الأرخبيل قبل أن يولّع فتيلها “الثّوريّ” محمّد شقير ويحوّلها إلى تسونامي لم يرَ التّاريخ اللّبنانيّ مثله (تمامًا كما عاد ونبش شريط راهبة عبرا “الثّوريّة” حركة طلّابيّة ثانويّة مختفية منذ 45 سنة!). إنّ الصّرخات الموحّدة الّتي انطلقت من حناجر المناطق كلّها هزّت أسس الأرخبيل الطّوائفيّ، بحيث كانت لكلّ جزيرةٍ عاداتها ولغتها الخاصّة. وعمّت الحيرة الزّعماء… العظماء حائرون، يا للمفارقة… أمّا نحن، فطُربنا بلحنٍ ذكّرنا بوحدة الشّعب اللّبنانيّ. وهو بالذّات ما أرعبهم وهدّدهم ببطالةٍ لم يحسبوا لها حسابًا.

هل يعني ذلك أنّ “ملك الإغراق” أو “بطل العالم بلعبة الاستمرار”، أي النّظام الطّائفيّ اللّبنانيّ، كان مهدّدًا بالسّقوط؟ لا أعتقد. ولكن، ما أكّده 17 تشرين هو أنّ حقبة شراء الذّمم بدأت تنتهي. وإضراب الجامعة اللّبنانيّة أنذر بذلك قبل 17 تشرين بأشهر. مهمّتنا التّاريخيّة هي تفعيل قدرات المجتمع والدّفاع عنه كلّ يوم، زرع هيئاتٍ في كلّ الأمكنة الّتي صحّروها خلال ثلاثة عقود… وعندما تنبت الأرض من جديد، كونوا على ثقة، بأنّهم لن يتحكّموا بعقولنا من جديد. لن يحكمونا مجدّدًا.