تداخل السّياسة والرّياضة… حقيقة مُرّة لا يمكن الهروب منها

تداخل السّياسة والرّياضة… حقيقة مُرّة لا يمكن الهروب منها

أحمد نصرالله
مستلقٍ، وأنت تحتسي مشروبك المفضّل، تشاهد مباراتك على التّلفاز مشجّعًا الفريق الأحبّ إلى قلبك. تنظر إلى حماسة الجماهير في المدرّجات حبًّا بالرّياضة. تأخذك الهتافات بصخبها، ولكن ما وراء هذا التّشجيع من ولاء غير مرتبط بالرّياضة حصرًا قد يصدمك. فالعداء السّياسيّ وتأثيره على الجماهير، ليس حكرًا على اللّبنانيّين واللّبنانيّات فحسب، بل إنّه تداخل موجود في كلّ دول العالم بشكل عامّ.
هتاف المشجّع وهو من دون قميص أو كنزة قد يكون دليلًا على ولائه الكبير وانتمائه الضّخم لناديه المفضّل، إلّا أنّه قد يكون نابعًا من تعصّب سياسيّ كبير أيضًا. ويمكن ملاحظة هذه الميول السّياسيّة من خلال الهتافات في المدرّجات وسلوك الجماهير عند الاستحقاقات السّياسيّة أو التّحرّكات الشّعبيّة خارج الملعب.
وهنا بعض الأمثلة على العلاقة الثّقافيّة المباشرة بين السّياسة وكرة القدم، وتأثيرها في بعض البلاد حول العالم:
مصر، أمّ الدّنيا: لم تتداخل السّياسة مع الرّياضة فحسب، بل كانت مؤثّرًا أساسيًّا على الكثير من القرارات والانعطافات المفصليّة في تاريخ مصر الحديث. فمثلًا، جمهور نادي الأهليّ (أكبر جمهور في مصر) كان سببًا أساسيًّا لاندلاع الثّورة المصريّة الّتي أطاحت بالرّئيس حسني مبارك سنة ٢٠١١، وفيما بعد، بالرّئيس محمّد مرسي سنة ٢٠١٣. وقد سقط، خلال هذه الثّورة، العديد من الشّهداء في أحداث عدّة، أبرزها مجزرة بورسعيد الّتي استشهد فيها أكثر من ٧٠ مشجّعًا في الأوّل من شباط سنة ٢٠٢٠؛
إسبانيا والكلاسيكو: خلف المباريات الأكثر مشاهدةً في العالم، صراعٌ سياسيٌّ تاريخيٌّ كبيرٌ جدًّا. “ريال مدريد” هو نادي العاصمة المتّهم بأنّه يحظى بدعم الملك الإسبانيّ، أمّا “برشلونة” فهو نادٍ من إقليم “كتالونيا” الّذي يصارع من أجل الانفصال عن إسبانيا ليكون بلدًا مستقلًّا، لكنّ الدّولة الإسبانيّة تعارض هذا الخروج لأسباب اقتصاديّة بشكل خاصّ. ولعلّ آخر نتائج هذا الصّراع حدث في تشرين الأوّل من عام 2019، حيث كان من المفترض أن تقام مباراة الكلاسيكو ولكنّها تأجّلت بسبب حسابات سياسيّة محض. فبعد اعتقال الكثير من قادة إقليم كتالونيا، تخوّفت السّلطات الإسبانيّة من إقامة هذه المباراة لأنّ فريق “ريال مدريد” يمثّل الملك الإسبانيّ “المسؤول” عن تلك الاعتقالات؛
التّطرّف في اسكتلندا: بالإضافة إلى الخلافات السّياسيّة، في اسكتلندا الكثير من الخلافات الدّينيّة، وتعتبر كرة القدم مسرحًا للكثير من النّزاعات الدّينيّة – السّياسيّة في البلاد. فنادي “سلتيك” هو النّادي المدعوم من الكاثوليك، فيما يدعم البروتستانت “نادي الرّينجرز”، ما أنتج العديد من المباريات المليئة بالنّدّيّة والتّدخّلات العنيفة والاعتداءات بين جماهير الفريقين. بالإضافة إلى أنّ جمهور نادي “سيلتك” معروف بدعمه للقضيّة الفلسطينيّة، الأمر الّذي جعله يواجه الكثير من الضّغوط؛
المعركة الاقتصاديّة في انكلترا: يعتبر الدّوريّ الإنكليزيّ أيضًا مسرحًا لنزاع ضخم جدًّا بين فريق “مانشستر يونايتد” وفريق “ليفربول”. فعلى الرّغم من النّدّيّة في عدد الألقاب والأداء الكبير للنّاديين الأعرق في المملكة المتّحدة، إلّا أنّه يخفي الكثير من الصّراعات الاقتصاديّة الّتي تحوّلت إلى صراعات سياسيّة ضخمة. هذه الصّراعات تعود إلى أكثر من 100 عام، وقد تأثّرت بها جماهير الفريقين. ورغم أنّ الصّراعات الجسديّة العنيفة بين الجماهير غير موجودة بكثرة بسبب التّدابير الكبيرة الّتي تتّخذها السّلطات الإنكليزيّة، ولكن يكفي الاستماع إلى الشّتائم والحقد الّذي يتبادله جمهور الفريقين في الملعب وعلى مواقع التّواصل الاجتماعيّ، ليدرك المرء أنّ عداء الفريقين حتمًا يتخطّى الرّياضة.
في النّهاية، تداخل السّياسة مع الرّياضة ليس سلبيًّا بكلّ المقاييس، وذلك بسبب الدّعم المادّيّ الكبير الّذي تمنحه الجهات السّياسيّة للّنوادي، الأمر الّذي ساهم في إنقاذ الرّياضة في لبنان لا سيّما بعد الحرب الأهليّة الّتي دمّرت جميع مؤسّسات الدّولة، بما في ذلك الرّياضيّة منها. بالإضافة إلى الدّعم المادّيّ، ثمّة حافز معنويّ مهمّ جدًّا، فالصّراعات السّياسيّة والعقائديّة تعطي اللّاعب الرّياضيّ دافعًا كبيرًا للفوز بالمباراة، ولهذا غالبًا ما يصعب على المحلّلين/ات الرّياضيّين/ات توقّع نتائج مباراة “ديربي”- أي مباراة بين فريقين من المدينة نفسها – لأنّها تكون بطولةً بحدّ ذاتها؛ فاللّاعب لا يبحث فيها عن مجرّد الفوز بالمباراة، بل عن الدّفاع عن شرف النّادي وجماهيره. إنّها معركة وجوديّة بالنّسبة إليهم.