سفك الدّماء… في الماء

سفك الدّماء… في الماء

جمال زعرور
عام ١٩٥٦، وتحديدًا خلال الثّورة المجرية المعادية لنظام الحكم السّوفييتيّ الطّاغي، والّتي دامت من ٢٣ تشرين الأوّل حتّى ٤ تشرين الثّاني، أقدم بعض الطّلّاب في جامعة بودابست على تحرّك شعبيّ ضدّ الحكومة ما أجبر الجيش السّوفييتيّ على بعث فرق مشاة ومدفعيّة وطائرات حربيّة للحدّ من التّمرّد، فأودى بحياة المئات واعتقال الآلاف.
اندلعت تلك الثّورة بعد ثلاثة أعوام من وفاة القائد السّوفييتيّ جوزيف ستالين. وقد حدثت خلال تلك الأعوام تغيّرات كثيرة في السّياسة السّوفييتيّة وتدهورت الأوضاع الاقتصاديّة. تعتبر الثّورة المجرية أوّل تمرّد على الاتّحاد السّوفييتيّ من قبل دولة خاضعة لحكمه.
في ذلك الوقت، كان منتخب المجر لكرة الماء، حامل لقب الأولمبياد (ميداليّة ذهبيّة) سنة ١٩٥٢، في معسكر خارج العاصمة، ولم يعلم الفريق بخطورة الوضع إلّا بعد مغادرتهم إلى تشيكوسلوفاكيا ومن بعدها إلى أستراليا للمشاركة في أولمبياد.
شاء القدر أن يلتقي المنتخبان المجري ونظيره السّوفييتيّ بعد شهرين من أحداث بودابست في المباراة الرّابعة من أصل خمس في المجموعة النّهائيّة لأولمبياد 1956. عرفت تلك المباراة بـ “Blood in the Water”.
كان اللّاعبون المجريون يتقنون اللّغة السّوفييتيّة (الرّوسيّة)، فأقدموا منذ البداية على السّخرية من خصمهم في محاولة لإفقادهم تركيزهم واستفزازهم كجزء من الخطّة المجرية للنّيل من السّوفييت. قال قائد المجر، زاودر، وقتئذٍ:”قرّرنا إغضاب الرّوس وتشتيتهم.” لكنّ تفوّق المجر في المباراة لم يمنع قائد المنتخب السّوفييتيّ ديشو غيارماتو، وهو من يعتبر الأفضل في تاريخ اللّعبة، من توجيه لكمة لأحد اللّاعبين السّوفييت. كانت المباراة بأكملها حافلةً بالعنف والوحشيّة بحيث طرد من اللّقاء خمسة لاعبين واستمرّ الاقتتال حتّى نهاية المباراة التي انتهت بفوز المجر بأربعة أهداف نظيفة. أقدم خلال المباراة بروكوبوف السّوفييتيّ على ضرب زادور، ما أدّى إلى إصابته ومغادرته المباراة بعدما نزف بشدّة. بعد عدّة سنوات، سئل زادور عن الحادثة وقال: “عندما لكمني بروكو بوف، رأيت 4000 نجمة تدور حولي وأحسست بالدّماء تذرف على خدّي، وشعرت بخيبة أمل لعدم قدرتي على المشاركة في المباراة النّهائيّة.”
انفجرت الجماهير المعادية للسّوفييت (الأكثريّة السّاحقة للجمهور الحاضر) وباتت تحضّر أنفسها بمداهمة حوض السّباحة، لولا تدخّل الأمن آنذاك والإعلان عن انتهاء المباراة بفوز المجر بنتيجة ٤ -٠ والانتقال إلى المباراة النّهائيّة في المجموعة والحصول على الميداليّة الذّهبيّة بعد الفوز على يوغوسلافيا ٢-١.
انتشرت صور اللّاعب زادور وهو ينزف من رأسه حول العالم، وقد بالغ بعض الإعلاميّين بالقول إنّ بركة الماء الّتي لعبت فيها المباراة تحوّل لونها إلى أحمر بسبب الدّماء التي نزفت. التقى المنتخبان المجريّ والرّوسيّ في أولمبياد 1996 في مدينة أتلانتا في الولايات المتّحدة الأميركيّة، أي بعد 40 سنة من الحادثة، واستطاع المجريّون الفوز مجدّدًا في مباراة شيّقة كانت نتيجتها 8-7، من دون أن تشهد أيّ مشاكل.