مدارات تعيسة

مدارات تعيسة

تصوير حسين بيضون

زنّوبيا ظاهر

استيقظ فسادنا من سباته الطّويل ليجد أنّه تحوّل إلى مسخٍ كبير. حشرة ضخمة. في سريره الآمن لم يعد يقوى على الحراك. لا يمينًا ولا شمالًا. لا طيرانًا ولا هروبًا ولا زحفًا ولا حفرًا. فقدَ كاريزماه. صوته الأجشّ ذو القرار. أطرافه اللّيّنة المتلوّنة كالحرابي الذّكيّة السّاحرة. فقدَ حنجلته. افتقد رقصه.
لفظه جسمه. بنّاؤوه. نحّاتوه. شعراؤه. ملحّنوه. حطّابوه. حطبه. ناسهُ والحجارة.
وكأنّ فكرةً في رأسه تحوّلت إلى حقيقة. حفر فسادنا لموته. هيّأ لنفسه قتلةً بما يكفي. بما يكفي لقتله. لقتلنا. نحنُ: أنت وأنا والفساد في دائرة واحدة. نحن أحياء في البقعة الجغرافيّة نفسها. لم نعد نطيق أنفسنا. فقرّرنا الانتحار. “الانفجار”.
انفجار المرفأ قراري أيضًا. قرارك أيضًا. قرار من أنجبونا. نحن الأحياء على أيدينا دم الّذين رحلوا. نحن الأحياء أخذنا على عاتقنا انفجارًا لا زال برعمًا. لنا أن نكمّله لنزيل عن أيدينا الدّم بالضّوء. لكن… من ينقذنا من “جريمتنا” الّتي لم نرتكبها؟ من يزيل عنّا رائحة الموت المعدية؟
في رواية دوستويفسكي “المزدوج”، يستيقظ غوليادكين من نومه، ليجد أنّ هذا العالم رتيب لا يستحقّ الحياة. ثمّ فجأةً يشعر بالسّعادة. يفكّر:”يا للفظاعة! ماذا لو حدث ما يكدّر صفو هذا الصّباح؟ ماذا لو حدث ما يزعجني، كأن أجد على وجهي دملًا ما مثلًا، أو أن يقع أيّ شيء آخر مزعج… من يدري؟ فكلّ شيء ممكن. حسنًا، إلى الآن لم يحدث أيّ شيء، ما زال كلّ شيء على ما يرام.” بدا السّيّد غوليادكين سعيدًا لأنّ كلّ شيء على ما يرام. في أقلّ من سنة، جرّد الإنسان في هذه البقعة الجغرافيّة من ترفه في أن يخلق لحياته معنًى. تضاءلت أسباب استمراره بما يدعو للشّفقة. مستمرّ لأنّه إلى الآن… لم يمت؟ لقد تضاءلت مساحة الأمان عنده مقتصرةً على نعمة أنّه لا زال من الأحياء، يعزّي نفسه بهذه الفكرة كلّما تراكمت في رأسه مصائبه.
إنّ تجربة العزلة، بسبب كورونا، متبوعة بتجربة الموت الجماعيّ بعد تفجير المرفأ، مع ما تخلّلها من لا استقرار اقتصاديّ واجتماعيّ ونفسيّ وسياسيّ. كلّ هذه العوامل مجتمعةً، أدخلتنا في هستيريا ثاناتوس، غريزة الموت، في تطرّفها المقلق. ونشطت الرّوايات الدّينيّة لتبرّر ما يحدُث من ويلات على أنّها نهاية الزّمان. كلّ ما في الأمر أنّ المتديّن ينتظر فرجًا يجده اللّامتديّن بعيد المنال لا منطقيّ. وكأنّ هذا العالم يلفظنا، يقرّر أن ينتهي لأنّنا متنا، أفرادًا. ماتت دوافعنا أو بدت أهداف حياتنا خياليّة. نتحدّث هنا عن “خيبة” معظمنا ممّا يجري في الشّارع.
هل عليّ أن أنكر أنّ كلّ من أعرفهم من الصّادقين الخُلّص قد فقدوا الأمل بهذه البلاد؟ بالثّوريّين والثّوريّات فيها أيضًا؟ لن أفعل. بلى، انتكاسة وراء انتكاسة شيّد اليأس قصورهُ، فوق “كدّنا وعرق أيدينا”.
في فيلمه “ميلانخوليا”، يواكب لارس فون تراير عائلة من أختين وزوج أخت وابن في انتظارهم نهاية العالم، وكأنّه يواكب مدينتنا. إنّنا نحيا الآن سيكولوجيّة من ينتظر بحتميّة انتهاء العالم. مجسّدًا انهيار النّظم الأخلاقيّة والعلائقيّة، يُظهر المخرج الاضطراب الحادّ الّذي يعاني منه كلّ أفراد الأسرة والمدعوّين إلى حفل زفاف جوستين، البطلة، الأكثر اضطرابًا بينهم. تنتابها نوبة كآبة حادّة تدفعها إلى الانسحاب رويدًا رويدًا، إلى استبصار مستقبل علاقتها بزوجها، فحواسها وحدسها وغرائزها تغدو أكثر يقظة، ورؤيتها إلى العالم تبدو في قمّة هشاشتها وزهدها، لأنّها تترقّب اصطدام الكوكب الأزرق “ميلانخوليا” بالكرة الأرضيّة. تعود جوستين إلى مساحة أمانها مع أختها، تنتظر انتهاء العالم بهدوء ورصانة ينبئان بالفرح القادم، لأنّ هذه الأرض “شرّيرة”، و”لا أحد سيفتقدها”.
أجل، كثيرون دخلوا في مرحلة الاستسلام الحادّ للاكتئاب، كثيرون ينتظرون النّهاية، أو سبق أن دخلوا فيها. وكأنّ هذا العالم ينتهي فعلًا. سيكون لمن يستحقّه لأنّنا فشلنا. سيحكمه من بعدنا “القمل” كما قال الشّاعر الفرنسيّ لوتريامون.
نحن “مقذوفون في هذا العالم”. هزيمتنا وعجزنا أكبر من مسؤوليّتنا إزاء قرارنا بالانفجار في وجه قتلتنا. “النقّ”، حداؤنا الوحيد وراء أمواتنا وموتنا، لم يعد يجدي نفعًا. صار ثقيلًا. معالجونا وأطبّاؤنا النفسيّون اليوم في الشارع هربًا منّا نحن اللاجئون إلى غرفة و”آخَر” محايد نفجّر غثياننا عنده ونخرج خفيفي القلب والمعدة. صرنا آخرهم. جحيمهم. لا شيء يقولونه لنا. يبحثون عمّن يقول لهم فلا يجدونه. يصرخون فلا يسمعون حتّى أصواتهم.
انفجرت مدينتنا صارخةً بوجهنا: إنّكم دمى. ضحايا الأمل. موهومون بأنّكم “تربّونه”.
أمام هول المصائب يفكّر كثيرون بالهرب، البعض يبقى في مكانه بما يشبه الانتحار. ولربّما ليس بإمكاننا أن نحكم على أيّ من هذين الخيارين بالصّواب أو الخطأ. تنتفي النّظم الأخلاقيّة أمام الموت، هي الّتي وضعت لتنقذنا منه وتهوّنه علينا. غير أنّ كلًّا من الهرب والبقاء يجسّدان موت شيء بداخلنا، موت إيماننا بفكرة الوطن والحياة.
أنهي هذا النصّ الآن: كلّ ما كتبته لا يشبهني. الحال أسوأ من أن يكتب عنه. أتساءل معكم: هل يعني البقاء المواجهة؟ يبدو أنّنا بحاجة لخطّة. هذا الّذي نحيا فيه منظّم ليقتلنا. فلننتظم لنشقّ خاصرته.