الفنّان كائن بشري

الفنّان كائن بشري

تصوير نبيل اسماعيل

أسامة الخطيب

هل الفنّ مكوّنٌ أساس من مكوّنات المجتمع، أم هو إضافةٌ جماليّة؟
سؤالٌ لطالما فرض نفسه، بخاصّةٍ في زمن الأزمات.
هل نحن بحاجةٍ إلى الفنون في هذه الأوقات؟ ولماذا الاستغراب من سماعنا من هذا أو ذاك بأنّه ذاهبٌ إلى حفلٍ موسيقيٍّ، أو بأنّه يحضّر لمعرض فنونٍ تشكيليّة، أو من أنّ أحدهم يلقي قصيدةً في أمسية شعريّة ما؟
إنّ أغلب معلوماتنا عن الحضارات الّتي سبقتنا أتت من الفنون، والدّراسات التّاريخيّة والأثريّة كلّها اعتمدت بالدّرجة الأولى على الإرث الفنّيّ لهذه الحضارات.
من فنّ العمارة والرّسم والنّحت والجداريّات والفسيفساء وبقايا بعض الآلات الموسيقيّة، والمخطوطات من ملاحم وأشعار ومسرحيّات.
الفنّ هو الجندي المجهول الّذي يحفظ التّاريخ والثّقافة والحضارة في كلّ زمانٍ ومكانٍ على هذه الأرض. غير أنّ جنود هذا القطاع تُهمل عند أوّل ضائقةٍ أو أزمةٍ سياسيّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو طبّيّةٍ، كما هو حاصلٌ حاليًّا بسبب كورونا (اللّعينة) (ضروريّ تسبّ هههه).
هلّا توقّفنا لحظةً وأمعنّا النّظر في كواليس هذا القطاع والعاملين والعاملات فيه؟ من هم؟ كيف يعيشون؟ ماذا يفعلون خلال يوميّاتهم؟ همومهم؟ مشاكلهم؟ نحن نراهم في المناسبات الجميلة بالملابس الأنيقة، يقدّمون لنا ما يطرب سمعنا ويبعث البهجة والسّرور في النّفس من مسرح ومعارض وأفلام سينمائيّة وغيرها من الفنون المبهِجة. هذه المخلوقات الّتي لا نراها إلّا في تلك المناسبات والأماكن ليست مخلوقات (فضائيّة). هي بشر يعيشون يوميّاتٍ عاديّةً ويدفعون فواتير كهرباء وماء واتّصالات ومواصلات وسكن ومأكل وتعليم لأبنائهم وضرائب دخل…
هم مثلنا يمرضون.
الفرق أنّ الفنّ مهنتهم. فعند الظّهور، يلبسون بأناقةٍ ويتعطّرون بالعطور الفوّاحة لافراحنا.
أغلب النّاس ينظر إلى الفنّان نظرة حسدٍ، ألاحظها غالبًا عندما أُسأل عن مهنتي ويكون الجواب: “موسيقيّ.” أرى الابتسامة مع بريقٍ في عيني السّائل مع ردّ: “أيواااااا! سفر وأكل وشرب وبسط و…”
إنّ السّفر في هذه الحالات مشقّةٌ، لا رفاهيّة، لأنّك لا تملك الوقت ولا المال للسّياحة. عندما تذهب ليومين إلى (آخر ما عمّر الله)، لا يتسنّى لك حتى النّوم؛ بخاصّةٍ عندما يكون المغنّي أو المغنّية قليل الثّقافة والموهبة والأخلاق و”يتفلسف” عليك طوال الوقت من غير أن يملك أدنى ثقافة أو معلومات موسيقيّة تخوّله أن يكون عامل بوفيه في المعهد الموسيقيّ. ثمّ، يأتيك متفلسفٌ ويقول لك: “أنا كتير بحبّ الكلاسيك، ما بسمع غير claiderman بسيّارتي.” وآخر يشيد بابنه في الإيقاع: “ابني كتير قويّ بالدّربكة، لازم تشغلو معك.”
هذه بعض الأمثلة من اليوميّات.
كلّ مهنةٍ فنّيّةٍ لها ما لها من مواقف لا يحسد جنودها عليها.
لا، ليست الحياة ورديّةً، ولا يعيش الفنّانون والفنّانات في قصورٍ عاجيّةٍ ولا يؤلّفون الموسيقى على حافّة (البيسين) ولا يستوحون قصصهم وأشعارهم ولوحاتهم من مزارعهم الرّحبة… أغلبيّتهم تعيش بجوار خطّ الفقر أو تحته.
فلنتخيّل معًا أنّ الحياة بلا موسيقى ولا شعر ولا رسم ولا ألوان. كم هي قاسية وقاحلة!
الفنّ من أصعب المهن وأقلّها إنتاجًا للمال. هو أوّل المهن الّتي تتوقّف في حال لاحت في الأفق أيّ أزمة، وآخر المهن الّتي تعود للعمل.
كلّ هذا ويُنسينا التّاريخ أسماء السّياسيّين والرّؤساء والدّكتاتوريّين، ويذكّرنا ببيتهوفن وباخ ومايكل أنجيلو وليوناردو دافينشي وسيّد درويش وأمّ كلثوم وفيروز…
ماذا تقولون الآن؟ حاجةٌ ملحّةٌ وضروريّةٌ لاستمرار وجودنا، أم مجرّد مسلٍّ كماليٍّ يمرّر وقت هذه الحياة القاسية بلطف؟