ثائرات الشّوف 

ثائرات الشّوف 

تصوير زكريا جابر

نور زين الدّين

لم تكن 17 تشرين أولى المشاركات النّسائيّة في الاحتجاجات والمظاهرات. إنّما كان حضور النّساء بارزًا منذ ليلة 17 مع انطلاق الثّورة من رياض الصّلح والقيام بالحاجز النّسائيّ لحماية المتظاهرين، وصولًا إلى المشاركة في قطع الطّرقات وتسكير الدّوائر الرّسميّة… كنّ في الصّفوف الأماميّة في المواجهات مع السّلطة والجيش.

انطلقت الثّورة في الشّوف صباح 18 تشرين الأوّل. دعت مجموعة من السّيّدات والأمّهات إلى مسيرة تنطلق من ساحة الشّهداء في سوق بقعاتا وصولًا إلى دوّار بعقلين، رفضًا للوضع المعيشيّ ودفاعًا عن حقوقهنّ ومستقبل أطفالهنّ. فواقع الشّوف لم يكن أفضل وأحسن حالًا من باقي المناطق اللّبنانيّة. انطلقت المسيرة في الوقت المحدّد لها رافعةً الأعلام اللّبنانيّة، وقد تعرّضت المشارِكات لمحاولات القمع والاستفزاز من قِبل مناصري الحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ الّذين اعترضوا طريق المسيرة رافعين الأعلام الحزبيّة والدّينيّة ومردّدين الشّعارات والأناشيد الحزبيّة. رفضت النّسوة التّراجع والرّضوخ. صمدن. كسرن حاجز الخوف وأطلقن شرارة الثّورة في الجبل!

لم تختلف معالم الثّورة في الجبل عن باقي المناطق؛ فقد كسرنا الخطوط الحمراء الّتي خلقت في المنطقة منذ زمن. ومع التّغييرات السّياسيّة والمناخيّة والنّفسيّة والصّحّيّة، بقي حال الثّائرات في الشّوف كحال جميع الثّائرات في لبنان، في الطّليعة. 

السّبت في 11 تمّوز، حين كان عدد من الثّوّار يجهّز الصّوتيّات للمسيرة الّتي دُعي لها في سوق بعقاتا، تحت عناوين معيشيّة واحتجاجًا على ارتفاع سعر صرف الدّولار، اعتدى عدد من شبّيحة الحزب الاشتراكيّ بالعنف والضّرب على الثّوّار ومُنعت المسيرة من التّقدّم. لم يكن القمع المشكل الوحيد الّذي واجهناه في ذلك النّهار، فقد تعرّضت النّساء المشاركات في ذلك التّحرّك لممارسات ذكوريّة رجعيّة من اعتداءات جسديّة ولفظيّة. وقد استكملت هذه التّصرّفات على مواقع التّواصل الاجتماعيّ عبر بوستات وتعليقات وصفت الثّائرات بنعوت رجعيّة متخلّفة مثل: “نسوان مسترجلة” و”نسوان فلتانة” و”ضبّوهن” و”مش لنسوان الجبل هالحركات”… كان مناصرو الأحزاب، حين يفقدون القدرة على التّبرير والمواجهة،  يلجأون إلى منطق الأبويّة والحماية وما يعرف بالشّرف، غافلين عن حقيقة أنّ الثّائرات بشكل عامّ والثّائرات في الشّوف بشكل خاصّ قد خضن المعارك الحقيقيّة على الأرض، المعارك الّتي لم يترك مناصرو الأحزاب فرصةً للتّنظير لها ولإعطاء التّوجيهات حول كيفيّة التّحرّك وتفاصيله.

فللتّذكير: ثائرات الشّوف كنّ من الأوائل على الأرض ليلة 17 تشرين وأطلقن شرارة الثّورة، في حين غيرهنّ كان في البيت؛ ثائرات الشّوف طالبن بحياة كريمة لهنّ ولأولادهنّ ومجتمعهنّ، في حين كان غيرهنّ في المنزل ينتظر التّوجيهات؛ ثائرات الشّوف وقفن مع غيرهنّ من الثّوّار بوجه بلطجيّة الأحزاب في ساحة الشّهداء ورياض الصّلح وعلى الرّينغ، في حين غيرهنّ كان يتابع الأحداث عن شاشات التّلفزيون؛ ثائرات الشّوف كنّ مع النّاس على الأرض ليمنعن إعطاء الثّقة لحكومة لا تمثّل النّاس، في حين غيرهنّ كان ينظّر من بعيد؛ ثائرات الشّوف نزلن إلى بعبدا ووقفن بوجه الجيش يوم إقرار جلسة الحوار، في حين غيرهنّ كان غائبًا عن ساحات النّضال؛ ثائرات الشّوف كثائرات لبنان، نساء قويّات جميلات جريئات حرّات  متمرّدات، كسرن الصّورة النّمطيّة الرّجعيّة للمرأة ورفعن الصّوت بوجه التّخلّف والتّشبيح والذّكوريّة، ولسن بانتظار أحد ليضمن لهنّ حقوقهنّ كما لسن بانتظار إذن أو قرار يسمح لهنّ بالتّعبير عن رفضهنّ للظّلم والتّسلّط. لا يخجلن من أصواتهنّ العالية وأفكارهنّ المتحرّرة من القيود الأبويّة.

ثورة 17 تشرين لم تكن ثورةً على الفساد والطّائفيّة والتّقسيم والمحاصصة فقط ، بل هي ثورة اجتماعيّة على المفاهيم الرّجعيّة الأبويّة. ثورة على الذّكوريّة والتّصرّفات الرّجعيّة السّلطويّة. ثورة على الأحكام المسبقة والصّور النّمطيّة. ثورة تطالب بمجتمع عادل يضمن حقوق الفئات المهمّشة.