النّقابة تنتفض

النّقابة تنتفض

تصوير حسين بيضون

عماد عامر

في ٢٥ تشرين الأوّل ٢٠١٩، أي بعد ١٧ تشرين، تداعينا إلى نقابة المهندسين والمهندسات رافضين موقف النقابة الرماديّ من الأحداث. فلم تعلن الإضراب ولا الإقفال، ولم يصدر منها أيّ بيان أو موقف منحاز إلى الناس الثائرة في بيروت والمناطق. تداعينا إليها طالبين موقفًا منحازًا إلى قواعد المهندسين والمهندسات ومصالحهم/هنّ، منحازًا إلى ال٩٩% من الناس، تحت عنوان “النقابات للناس” مردّدين شعار “النقابة مش ملك السلطة، النقابة عملوها الناس”. يومها، عدنا خائبي الأمل من موقف النقابة الرماديّ أكثر من ذي قبل، إلّا أنّ بوصلة ١٧ تشرين كانت هي الّتي تقودنا نحو “الوضوح”.
يومها، علمنا جميعًا أنّه قد حان وقت الانتظام والتنظيم، وقت رصّ صفوف المهندسين والمهندسات في المناطق والقطاعات، من مختلف التوجّهات والخلفيّات؛ وقت إشراك أكبر عدد ممكن منهم لإطلاق عمليّة تحرير النقابة من سلطة المنظومة الحاكمة. البوصلة كانت “الوضوح، الصدق والتواضع”، فلا مجال للرماديّين. إنّه وقت الانحياز إلى الناس، إلى ١٧ تشرين، إلى الساحات والخيم.
بدأنا العمل على تشكيل إطار هندسيّ من ضمن تجمّع “مهنيّات و مهنيّون” ليكون صلة الوصل بين المهندسين والمهندسات وبين باقي القطاعات. طوّرنا آليّةً تشاركيّةً وقاعديّةً قوامها المناطق واللامركزيّة، وشكّلنا لجنة صلات لتجميع قوى الاعتراض ضمن إطار واحد وجامع لخوض المعركة؛ إلّا أنّ المهندسين والمهندسات في مختلف المناطق كانوا قد بدأوا تجميع أنفسهم، كما شكّلوا أطرهم ومجموعاتهم دون تنسيق مسبق. فتقاطعت المجموعات الهندسيّة الثائرة مع بعضها البعض. كان من السهل التواصل والتحاور، فالهدف واضح وروحيّة ١٧ تشرين وبوصلتها واضحتان. كان لسحرها أثر كبير في الالتقاء والمضي قدمًا نحو الهدف.
تشكّل الائتلاف من قوى الثورة بعد عدّة اجتماعات ولقاءات في المناطق ومع القوى الموجودة في ساحات الثورة. ثمّ، أطلقنا استفتاء على المهندسين والمهندسات لاختيار الاسم، فكان اسم “النقابة تنتفض” هو الأكثر شعبيّةً، فتمّت التسمية بناءً عليه. بعدها، شكّلنا لجان عديدة من المجموعات المنخرطة: لجنة البرنامج، العلاقات الخارجيّة والتشبيك، المعايير واختيار المرشّحين والمرشّحات، التصويت الالكترونيّ، الإعلام، التنسيق. بدأت هذه اللجان بوضع آليّاتها ومعاييرها باجتماعات مكثّفة، عبر تشارك الجميع في وضع المضمون وتعديله.
بعد جريمة تفجير ٤ آب في المرفأ، تداعينا إلى الأحياء المنكوبة وتحوّلنا من ائتلاف يخوض معركة انتخابيّة إلى مكنة هندسيّة تعمل ليلًا ونهارًا من أجل مساعدة أهالي المنطقة المنكوبة. فبادر فريق من مهندسي ومهندسات “النقابة تنتفض” بالاستجابة إلى حاجة الناس من خلال تنضيف المنازل. كما قاموا، على مدى أكثر من أسبوع، بتنظيف المنازل والمحال التجاريّة. كذلك، بادرت مجموعة أخرى إلى مسح أحياء في الكرنتينا ومتابعة أعمال الترميم فيها والتنسيق مع مختلف الجهات. ها هي الأعمال تسير اليوم بشكل سلس! كما بادرت مجموعةأخرى من مهندسي ومهندسات “النقابة تنتفض” إلى وضع خطّ ساخن للكشف على المباني بطلب من المضرّرين، وتأمين سلامتهم والسلامة العامّة عبر الدخول إلى منازلهم. إضافةً إلى ذلك، قامت مجموعة أخرى بتأمين استشارات قانونيّة للسكّان بهدف الحفاظ على حقّهم بالسكن والتعويض عن الأضرار. كما قمنا بمسح اقتصاديّ اجتماعيّ لتحديد التهديدات المباشرة وغير المباشرة على النسيج الاجتماعيّ الاقتصاديّ الثقافيّ والفئات الأكثر ضعفًا. أيضًا، تطوّعنا مع فرق مختصّة من مديريّة الآثار للكشف على المباني التراثيّة وتقييمها وتأمين الحماية لها.
تنخرط “النقابة تنتفض” اليوم بتأسيس نموذج اقتصاديّ مبنيّ على الفكر التعاونيّ، وتسعى مع شركاء لها لإقامة محترفات مملوكة من العمّال. بذلك، تخدم المجتمع عبر عمليّات الإغاثة الحاليّة، كما تؤسّس إلى اقتصاد تعاونيّ يساهم في توزيع عادل للأرباح ويخلق فرص عمل على المدى المتوسّط والبعيد. لقد شارك في هذه العمليّة أكثر من ٤٥٠ مهندس ومهندسة، تطوّعوا في صفوف “النقابة تنتفض”.
مرّةً جديدةً، خذلتنا نقابة المهندسين وخذلت مئات المهندسين والمهندسات الذين تطوّعوا في صفوفها للمساهمة في إعادة بناء بيروت، بحيث اقتصر عملها على مسح الأضرار وتقديم تقارير دوريّة عن عدد المباني المتضرّرة، في الوقت الذي كنّا نأمل أن تسخّر النقابة طاقتها لوضع استراتيجيّات إعادة الإعمار والانحياز إلى السكّان والحفاظ على المصالح الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتدارك حجم التهديد للأماكن المنكوبة. فليس الحجر وحده المهدّد، بل الناس وحياتهم ونسيج علاقاتهم وارتباطهم بالمكان واستخداماته وهويّته المتنوّعة والمميّزة هي المهدّدة أوّلًا، كما حقّ السكن للفئات الأكثر تهميشًا وضعفًا.
نحن نتطلّع إلى نقابة تفرض دورها الوطنيّ، تتحمّل مسؤوليّاتها تجاه مجتمعها وتنحاز إلى الناس والمدينة من منطلق المصلحة العامّة أوّلًا ولو كلّف الأمر الاشتباك مع جميع الجهات والأجهزة الرسميّة الّتي هي امتداد لفساد السلطة.
إنّ هذه التجربة ردّت العمل النقابيّ من نخبة قليلة تعتبر أنّ العمل النقابيّ هو حكر عليها، إلى القواعد وإلى الشباب. اشترك الجميع في كلّ شيء. استطاعت أن تثبت أنّ الآليّات الديمقراطيّة والتشاركيّة تستطيع أن تدير التنوّع والاختلاف. قد يسود هذه التجربة بعض الأخطاء، ومن الممكن أن تتطوّر وتتحسّن، إلّا أنّ الثابت الوحيد هو أنّنا نستطيع أن ندير هذا الكمّ الهائل من وجهات النظر والرواسب السيّئة الّتي حمّلتنا إيّاها منظومة الحرب والفساد والشرذمة.

تخوض “النقابة تنتفض” معركتها على قاعدة “كلنا يعني كلنا” ضدّ “كلن يعني كلن”. إنّ “النقابة تنتفض” تشكّل اليوم التهديد الأوّل للمنظومة الحاكمة، فعبرها ستتبلور ١٧ تشرين في أوّل عمل تنظيميّ انتخابيّ بمواجهة قوى الأمر الواقع. وهي، في حال نجحت، ستكون المؤشّر إلى نفس الناس ومؤشّر إلى تراجع شعبيّة الأحزاب التقليديّة. لذلك، تمّ تأجيل الانتخابات في ٨ آذار الماضي في بيروت تحت ذريعة الكورونا، بينما لم تؤجّل في نقابة طرابلس. وها هم أجّلوها مرّةً أخرى بعد أن حدّدت ب١٢ تمّوز ومرّةً ثالثةً بعد تفجير ٤ آب ومرّةً رابعةً إلى ما بعد ٣١/١٢/٢٠٢٠، مستخدمين قانون تمديد المهل الصادر عن مجلس السلطة النيابيّ فاقد الشرعيّة الشعبيّة، متوعّدين أن يتمكّنوا من شرذمة صفوفنا أو خرقنا “بحسّان دياب جديد”، أو آملين بمزيد من الوقت حتّى يتمكّنوا من الاتّفاق على شكل تحاصص النقابة الجديد.
نحن متمسّكون ومتمسّكات بآليّاتنا الديمقراطيّة والتشاركيّة وبروحيّة ١٧ تشرين، ونزداد انتظامًا و بلورةً للرؤية وشكل المعركة. كما أنّ دائرة المنخرطين والمنخرطات ب”النقابة تنتفض” من مجموعات صديقة وحليفة تكبر وتتوسّع وستبقى تنمو وتكبر. فدائرتنا لا حدود لها، إنّما مركز هذه الدائرة ثابت ووحيد وواضح وهو ١٧ تشرين.