رسالة من جبران خليل جبران

رسالة من جبران خليل جبران

تصوير نبيل اسماعيل

هالة كوثراني

أذكر أنّني وقفتُ خلف النّافذة في مساء ما يستقبل عتمةَ معارك الشّوارع، وكنت في الثّامنة أتساءل بسذاجة عميقة: “يا ربّي، لماذا ولدت في لبنان؟” في الرّابعة عشرة، كانت الحرب قد انتهت، تساءلت: “ما هو لبنان؟” لأفهم أيّ لبنان ورثنا وأيّ لبنان يُفترض أنّنا نبني. قبل أيّام، أرسل لي صديق رسالةً على “الواتساب” تحملُ رابط أغنيةٍ لزياد الرّحبانيّ مع ملاحظة مؤلّفة من كلمة واحدة: “لبناننا”… كم لبنان يمكن أن نحصي؟
لبنان المذكور في ملحمة جلجامش والعهد القديم (نحو سبعين مرّة) وقصائد المتنبّي، ليس لبنان الّذي أُعلنت ولادته من لقاء أحلام المؤرّخين الموارنة ومصالح فرنسا في الشّرق الأوسط بعد الحرب العالميّة الأولى، وليس لبنان الوهم الّذي نسجناه ونحنّ إليه ونحلم به.
قبل مئة عام، في ١ أيلول عام ١٩٢٠، على درج قصر الصّنوبر (مقرّ السّلطة الفرنسيّة آنذاك والّذي لا يزال المقرّ الرّسميّ للسّفراء الفرنسيّين في لبنان)، أعلن المندوب السّاميّ الفرنسيّ هنري غورو، في حضور البطريرك الياس الحويّك ومفتي بيروت الشّيخ مصطفى نجا، ولادة لبنان الكبير. أُعلنت حدود لبنان الحاليّ وبيروت عاصمته، لكنّ الدّولة بمفهومها الحديث لم تولد إنّما بقيت جنينًا نجهضه ونتقاتل على ثرواته، نحن اللّبنانيّون واللّبنانيّات، كلّ عقد أو عقدين حتّى إفلاسه. أمّا لبنان الوطن، فرسمه كلٌّ منّا بأحلامه وألوانه وأوهامه المختلفة والمتناقضة أحيانًا.
يمكن لكلٍّ من اللّبنانيّات واللبّنانيّين أن تتبنّى أو يتبنّى عبارة الأديب اللّبنانيّ الأميركيّ جبران خليل جبران: “لكم لبنانكم ولي لبناني.” ومَن منّا لا يعرف نصّ جبران خليل جبران الشّهير الّذي تضمّنه كتاب “البدائع والطّرائف” الصّادر عام ١٩٢٣؟ تعود إلينا العبارة كلّما أعدنا اكتشاف الرّؤى المختلفة للبنان، ومشاريع الوطن المختلفة. لكنّ قراءة المقالة الآن تواجهنا بأسئلة عن هذا الـ”لبنان” الّذي يبقى في طور الولادة، وعن قدرة إبداع جبران، “الطّفل السّاحر” كما كتب عنه أدونيس، على التّنبّؤ بما يعانيه لبنان بحدوده الحاليّة وهو “يحتفل” بعامه المئة. هل تنبّأ صاحب “النّبيّ” بمصير لبنان، أم أنّ لبنان منذ ولادته لم يتغيّر وما تطوّر أو تعلّم من أخطاء أهله؟ وهؤلاء الّذين أدانهم جبران بإدانة لبنانهم، من هم؟ تتغيّر طوائفهم ومذاهبهم لكنّهم يقفون مداورةً في المكان نفسه، حيث يظنّون أنّهم قادرون وحدهم على قيادة “لبنانهم”… نحو الانهيار.
كتب جبران في مقالته عن لبنانَيْن: لبنانه “بأحلامه وأمانيه” وتلاله الّتي “تتعالى بهيبة وجلال نحو ازرقاق السّماء”، وعن لبنان “العقدة السّياسيّة” الّذي ضمن “إنجازاته” الولاء للخارج وللطّائفة ونهب المال العامّ وسحق حقوق النّاس وقضم التّلال، برغم “هيبتها”، وتلويث الأودية والبحر والأنهار وسرقة الأحلام والأماني. عام ١٩٢٣، كتب جبران عن لبنان ليس لبنانه، هو “حكومة ذات رؤوس لا عداد لها”، يمكن أن نسمّيها حكومة الوحدة الوطنيّة الّتي اتّبعت نموذجها القائم على المحاصصة حكوماتُ الرّؤوس السّتّة.
كان جبران خليل جبران يكتب ما سيكون وهو يكتب ما كان. “لبنانكم رجل [أو امرأة] يؤدّي المكوس ورجل يقبضها [أو يسرقها].” انتفاضة ١٧ تشرين انطلقت صرخةً من حناجر الّذين يؤدّون واجباتهم كمواطنين ومواطنات، من ضرائب وغيرها، مطالبين بتوقّف الرّؤوس السّتّة وضباعها الصّغيرة عن السّرقة والفساد، حالمين بدولة عادلة. لكن، كيف نواجه رؤوس ميليشيات علّمتنا قبح الحرب ولم تدفع الثّمن، بل تسلّمت السّلطة لندفع نحن الآن أثمان الحرب والسّلم. نحن طلّاب الحقّ، نحن مَن لا نعرف أن نكون مجرمين أو مجرمات، كيف نواجه من وصلوا إلى مناصبهم بالإجرام؟
لبنان الّذي رفضه جبران كان عام ١٩٢٣”مرافئ وبريدًا وتجارة”، حتّى هذا الـ”لبنان” الّذي فضّل عليه جبران لبنانه “الفكرة البعيدة والعاطفة المشتعلة والكلمة العلويّة” ما عاد موجودًا، لا مرافئ ولا بريد ولا تجارة.
قال جبران: “لبنانكم طوائف وأحزاب” ونحن للأسف لم نعرف إلّا حكم الطّوائف والأحزاب الممسوخة. وكي نتمسّك بحبّ لبنان، كنّا نبحث عمّا تبقّى من “صخور وكهوف ومغاور” كتب عنها جبران، نحجّ إليها ونقنع أنفسنا بأنّ الخراب الّذي نشهده لم يقضِ على الوطن كلّه. “مَن هم يا ترى أبناء لبنانكم؟” سأل جبران. ونسأل نحن المتحرّرون والمتحرّرات من الولاءات المذهبيّة والطّائفيّة، المؤمنون والمؤمنات بـ١٧ تشرين لا بالـ”زّعيم” الّذي باسم حقوق الطّائفة يحترف الزّبائنيّة ويحوّل العمل السّياسيّ سرقةً وسطوةً ويستغلّ القضايا العادلة. “من هم يا ترى أبناء لبنان وبناته الّذين لا ينتفضون لأجل الحقّ والحقيقة، ولا يبحثون عن لبنان الدّولة الحديثة؟”
ويجيب جبران خليل جبران: “هم أولئك العبيد الّذين تبدّل الأيّام قيودهم المصدية بقيود لامعة، فيظنّون أنّهم أصبحوا أحرارًا مطلقين.” أمّا السّؤال الأهمّ الّذي سأله جبران في نصّه فهو: “وماذا عسى أن يبقى من لبنانكم وأبناء لبنانكم بعد مئة سنة؟”
أنتم يا قادة البلد إلى الانهيار، لا تحتفلوا بمئويّة لبنان الكبير لأنّ لبنانكم، كما كتب جبران خليل جبران قبل نحو مئة عام، “فقاقيع فارغة”.