مرج بسري للنّاس

مرج بسري للنّاس

شيرين الحسنيّة وماري روز رحمة

يقع مرج بسري بين الشّوف وجزّين ويحتوي على 6 مليون متر مربّع من المناطق الطّبيعيّة والأراضي الزّراعيّة، كما يضمّ أكثر من 50 موقع تاريخيّ أثريّ.
إنّ مسيرة النّضال لإنقاذ مرج بسري من السّدّ التّدميريّ وجدت جذورها منذ العام 2017، عندما تضافرت جهود النّاشطين والنّاشطات البيئيّين والبيئيّات وأهالي المرج والمناطق المجاورة المتضرّرة لمواجهة مشروع سدّ بسري. فبدأت المتابعة العلميّة من الخبراء لدراسة الأثر البيئيّ للسّدّ والكشف على الدّراسات المقدّمة من مجلس الإنماء والإعمار. جاءت نتيجة الدّراسات العلميّة للخبراء لتظهر الخلل الكبير والتّضليل العلميّ في الملفّات والدّراسات المقدّمة من مجلس الإنماء والإعمار إلى البنك الدّوليّ صاحب التّمويل. فبهدف الإظهار للرّأي العامّ مخاطر إنشاء السّدّ، بدأت تتوالى النّدوات وذلك من خلال المحاضرات والحلقات الحواريّة التّلفزيونيّة أو الإذاعيّة. انطلقت عندها التّحرّكات الشّعبيّة المُطالبة بوقف إنشاء السّدّ، وتتالت النّشاطات الّتي تدعو النّاس إلى زيارة المرج واكتشاف معالمه البيئيّة والتّاريخيّة.

لماذا رفض إنشاء السّدّ في بسري؟
رفض إنشاء السّدّ يأتي نتيجة الحرص على المحافظة على مميّزات وخصائص مرج بسري، والّتي نلخّصها على الشّكل التّالي:
يحتضن المرج تنوّعًا بيولوجيًّا فريدًا من نوعه في المنطقة، ما يجعله ثاني أهمّ استراحة للطّيور المهاجرة في لبنان؛
تحتوي مساحاته على مئات آلاف الأشجار الّتي تمتصّ سنويًّا حوالي 20 مليون كيلوغرام من الكربون؛
يكتنز المرج عشرات المواقع الأثريّة الّتي تعود لفتراتٍ تاريخيّةٍ متنوّعةٍ كالفينيقيّة، الرّومانيّة، البيزنطيّة، المملوكيّة والعثمانيّة. ولعلّ أهمّها المعبد الرّومانيّ المدفون تحت الأرض، وكذلك دير القدّيسة صوفيا الّذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الرّابع ميلاديّ وكنيسة مار موسى الحبشيّ؛
مرج بسري هو السّهل الزّراعيّ الوحيد في جبل لبنان، ويتميّز بخصائص مختلفةٍ عن سهل البقاع والسّهول السّاحليّة. تزدهر فيه عشرات المشاريع الزّارعيّة الّتي يقدّر مردودها بعشرات ملايين الدّولارات سنويًّا.
بالإضافة إلى خطر فقدان هذه الخصائص نتيجة بناء السّدّ، فإنّ الخطر الكبير سيتأتّى أيضًا عن إنشاء البحيرة على فالق بسري النّاشط زلزاليًّا والمتّصل بفالق روم الّذي يهدّد بافتعال هزّاتٍ أرضيّةٍ لا يمكن تقدير درجة قوّتها أو المناطق الّتي قد تطالها. كما أنّ إنشاء البحيرة قد يسبّب انزلاق التّربة الرّمليّة وانهيار الأراضي. كذلك، من المخاطر النّاجمة عن السّدّ اختلاط مياهه بمياه سدّ القرعون الملوّثة بالسّيانوبكتيريا المنويّ جرّها من بحيرة القرعون وبالتّالي إرسالها إلى بيروت الكبرى، ما يشكّل خطرًا صحّيًّا على أهالي بيروت كما هو الخطر على أهالي مرج بسري والمناطق المجاورة.

ثورة مرج بسري
أتت ثورة 17 تشرين الثّاني 2019 لتكون الهديّة الكبرى لمرج بسري. فرغم جهود النّاشطين والنّاشطات قبل الثّورة، إلّا أنّه كانت هناك صعوبةٌ في جعل قضيّة مرج بسري تصل إلى القسم الأكبر من الرّأي العامّ اللّبنانيّ. وإذا كان تاريخ 17 تشرين الثّاني قد صنع تاريخ لبنان الجديد، فإنّ تاريخ 22 من الشّهر نفسه سيبقى محفورًا في تاريخ مرج بسري. قبل هذا التّاريخ، كانت النّاس تشارك بأعدادٍ خجولةٍ في النّشاطات الّتي تقام في المرج. لكن في ذلك اليوم بالذّات، حين نظّمت المجموعات دعوةً إلى المرج، تخطّت الأعداد الألف وقد استطاع يومها النّاس من اختراق البوّابات الحديديّة الّتي كانت قد وضعتها شركة داني خوري المتعّهدة بناء السّدّ لمنع الدّخول إلى المرج لغير عمّالها وآليّاتها، وذلك بعد مواجهاتٍ مع القوى الأمنيّة أدّت بعد أيّامٍ قليلةٍ إلى استدعاء بعض النّاشطات والنّاشطين للتّحقيق معهم حول قضيّة خلع أبواب المرج؛ إلّا أنّ جميع النّاشطين والنّاشطات خرجوا منتصرين من هذا الاستدعاء تحت ضغط الثّوّار.
هكذا، خُلعت البوّابات، فجاء تحرير المرج من مغتصبيه في اليوم ذاته لذكرى استقلال لبنان. فاستعاد النّاس مرج بسري، استعاد الأهالي أراضيهم الّتي سُلبت منهم بأبخس الصّفقات. وهكذا، بدأت تتوالى زيارات النّاس إلى مرج بسري لاكتشاف هذا الموقع الطّبيعيّ الّذي كان مجهولًا لدى الكثيرين، والّذي أصبح مقصدًا لمحبّي التّخييم وإقامة الرّحلات الاستكشافيّة من كلّ المناطق اللّبنانيّة؛ برزت في حينها زيارات ثوّار المناطق إلى المرج لإعلان تضامنهم مع قضيّته. أوليس هذا هو انتصارٌ حقّقته الثّورة في مرج بسري، بجعله أرضًا حاضنةً ونقطة وصلٍ بين الجميع رغم اختلاف الأطياف والطّوائف؟!
تجسّد كذلك انتصارٌ آخر للثّورة في بسري بعد سحب المتعهّد داني خوري معدّاته من المرج خوفًا عليها، وذلك تحت ضغط الثّوّار المتواجدين دائمًا في المرج .
إنّ الإضاءة على أهمّيّة مرج بسري وخطر السّدّ المنويّ إقامته فيه، لم تقتصر فقط على النّشاطات في المرج، إنّما خيم الثّورة كانت تعلن جهارةً رفضها إقامة السّدّ، وذلك من خلال النّدوات الحواريّة المتعدّدة الّتي نُظّمت حول قضيّة مرج بسري. حتّى أنّ ساحات الثّورة ضجّت بالشّعارات واللّافتات المندّدة بالسّدّ والمدافعة عن المرج: “أنقذوا مرج بسري” – “نحن السّدّ بوجّ السّدّ”… وقد نُظّمت، في الأشهر الأولى من الثّورة، تظاهرةٌ حاشدةٌ أمام مجلس الإنماء والإعمار للمطالبة بإلغائه إذ أنّه ليس إلّا عبارةً عن وكر فسادٍ يدعم الصّفقات، ولعلّ أبرزها صفقة سدّ بسري.
رغم استمرار النّضال على مدى أشهر من قبل الثّوّار في المرج، إلّا أنّ حكومة حسّان دياب ومعها البنك الدّوليّ مضَوا في دعمهم لمشروع سدّ بسري التّدميريّ، ما استدعى تحرّكاتٍ شعبيّةً جديدةً أمام مقرّ البنك الدّوليّ في بيروت لدفعه لعدم القبول بتمويل المشروع وتحويل التّمويل إلى دعم الفئات المتضرّرة من الأزمة الماليّة ومكافحة تداعيات وباء كورونا. قد برز تعنّت السّلطة من خلال طلبات وزير الطّاقة ريمون غجر الّذي توجّه فيها إلى المتعهّد داني خوري لإعادة استكمال العمل في السّدّ، وذلك بعد تحذير البنك الدّوليّ الحكومة اللّبنانيّة بوقف تمويل المشروع إذا لم تعاود الحكومة مباشرةً عمليّة بنائه. كان الثّوّار في المرصاد عند كلّ محاولةٍ للمنظومة لاستئناف العمل في السّدّ؛ فكانت الدّعوات تتجدّد في كلّ مرّةٍ مطالبةً النّاس بالتّوجّه نحو مرج بسري لإقامة مخيّمٍ دائمٍ يكون سدًّا منيعًا لأيّ محاولة دخول آليّات المتعهّد داني خوري. لعلّ الدّعوة للاعتصام يوم السّبت 18 تمّوز على جسر بسري وللتّخييم على مداخل المرج، كانت الأكثر فعاليّةً بحيث عاد التّهافت إلى المرج من كلّ المناطق اللّبنانيّة منعًا لتمرير قرارات المنظومة المدمّرة للمرج عبر دخول آليّات المتعهّد.
بالتّوازي مع الاعتصامات الميدانيّة في بسري، كانت المجموعات الثّوريّة والبيئيّة تعمل على إرسال عرائض خطّيّةٍ موحّدةٍ إلى البنك الدّوليّ، تُظهر فيها مخاطر السّدّ وتطالبه بإحجام التّمويل عنه.
بعد تفجير 4 آب في بيروت، المجزرة، استقالت حكومة دياب، إلّا أنّ الثّوّار استمرّوا باعتصامهم في المرج حتّى اللّحظة الأخيرة من المهلة المعطاة من البنك الدّوليّ للحكومة والّتي انتهت بـ 4 أيلول، مانعين أيّ محاولةٍ لاستئناف العمل في بناء السّدّ. هكذا، بانتهاء المهلة دون أيّ تجرّؤٍ من المنظومة على استئناف العمل في سدّ بسري، انتصرت الإرادة الشّعبيّة على إرادة السّلطة الفاسدة. انتصرت ثورة مرج بسري وحُرّر المرج!

اليوم، المواجهة مستمرّةٌ على الجبهة الدّاخليّة على عدّة مستويات حتّى تتراجع المنظومة رسميًّا عن قرار إنشاء سدّ بسري ومنعًا لأيّ استغلالٍ للمرج تعود منفعته لجهاتٍ خاصّةٍ. فمرج بسري للنّاس، وسيبقى مساحةً مفتوحةً لكلّ النّاس!