لئلّا يكون الأمل محرّكًا

لئلّا يكون الأمل محرّكًا

تصوير نبيل اسماعيل

سمير سكيني
تحذير: لا تصحّ أن تكون هذه المادّة مستندًا علميًّا في السّيكولوجيا. لا أعالج هنا فكرة الأمل والإحباط بتشعّباتهما وارتباطهما بجهازنا النّفسيّ الواسع، إنّما بعلاقتهما حصرًا بالعمل السّياسيّ. ويأتي هذا المقال بصيغة اعتراضٍ على أن يكون الأمل عامِلًا محدّدًا في العمل السّياسيّ والممارسة النّضاليّة.
المشكلة الأولى مع هذا الطّرح هي أنّه عاطفيّ، وأنَّ سلطة الاحتلال وأحزابها وزعماء الحرب لا يمكن مجابهتهم بما هو عاطفيّ. فالعمل السّياسيّ التّراكميّ، الّذي يفترَض به أن يسير على قواعد ونظريّاتٍ علميّةٍ وعقلانيّةٍ أُثبِتَت بالبراهين والتّجارب، لا يمكن له أن يُبنى على العواطف. لا يمكن أن نخوض ثورةً أو انتفاضةً، أو حتّى حراكًا، تستمدّ قوّاتها من مشاعرنا (اللّهمّ إلّا مشاعر الغضب والحقد الطّبقيّ). هنا ميدان السّياسة، لم يفلح به يومًا من ساقته العاطفة. وهل كانت سلطة الاحتلال، بتفجيرها المرفأ مثلًا، تستند إلى الأمل؟ هل من عواطف تجاهنا، في الحرب الّتي تُشَنّ علينا يوميًّا في لبنان، من قِبَل من يشنّها؟
بالسّياق ذاته، الأمل ليس عاطفيًّا فحسب، بل هو لا عقلانيّ أيضًا. بالتّالي، قد يجنح غالبًا نحو تصوّراتٍ لا واقعيّة، وقد يزيد فرص الإحباط عندما تصطدم هذه التّصوّرات بالواقع. إذ أنّه يطوّع العمل السّياسيّ، وإن غاب عنّا، نعتقد أنّ هذا سببٌ كافٍ لتغييب العمل السّياسيّ معه والاعتكاف.لا يخفى على أحد، الشّريحة الأوسع من الشّباب المنضوين تحت جناح الانتفاضة، محبطة اليوم. مجدّدًا، لا أتكلّم هنا عن الإحباط المتعلّق بما نمرُّ به عمومًا – المنعكس من التّأزّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ أو المتعلّق بصعوبة العيش في لبنان الجحيم. بل الكلام محصورٌ بالإحباط النّاجم عن أملٍ وُظّف في غير موضعه، وعُلّق على ظاهرةٍ سياسيّةٍ لم يكن لها أن تحقّق ما عُلّق عليها من أمل!
لو قرأنا بعقلانيّةٍ سير الأحداث، بلا عواطف، بلا شعاراتٍ ورديّة مستوحاة من أغانٍ رتيبةٍ – “نحن الثّورة والغضب نحن أمل الأجيال/ بكرا بيخلص هالكابوس، وبدل الشّمس بتضوي شموس/ لبنان رح يرجع، والشّمس رح تطلع…”، وغيرها من الابتذالات؛ لو قرأنا بتجرّدٍ سير الأحداث، للاحظنا مثلًا أنّ “الثّورة” – بمفهومها الدّقيق – لم تكن في متناول اليد في المرحلة السّابقة، ولما كنّا لنُحبَط اليوم لو أننا أدركنا ذلك سابقًا. طبعًا، هذا لا ينفي أنّ الدّأب على تثوير العمل ضروريٌّ، وأنّ الثّورة عمليّةٌ قابلةٌ للتّحقيق، وأنّ التّغيير واجب.
شريحةٌ واسعةٌ ممّن انتفضوا في 17 تشرين لم تنخرط في الانتفاضة من باب “الأمل”، بل ببساطةٍ لأنّها الخيار الوحيد المُتاح أمامنا. لا حلول أخرى نملكها. لا ترف لدينا للتّرفّع عن خوض الصّراع. لا ننظر للحراكات الشّعبيّة على أنّها trend، أو صورةٌ على الفايسبوك، أو تماثلٌ مع فيلم “جوكر” الّذي عُرض قبل 17 تشرين بأيّام. ليست هَبَّةً وتنتهي. “الثّورة ليست حفلة عشاء ولا تطريز ثوب” كما يقول ماو، بل هي سيرورةٌ طويلةٌ ومضنيةٌ من العمل التّراكميّ. هي مسألة حياةٍ أو موت، بالمعنى الحرفيّ للكلمة. بالمعنى الحرفيّ للكلمة. بمعنى تفجير 4 آب، بمعنى القمع وقلع العيون، بمعنى رفاقنا الّذين استشهدوا برصاص الأجهزة. هذا هو المستنقع اليوميّ، ولا حيّز للأمل فيه. لا خيارات أخرى أمامنا. خوض الصّراع الطّبقيّ اليوميّ في لبنان خيارنا الوحيد. هو خيارنا الوحيد.
من جهتي، لست متأمّلًا بالغد بتاتًا. ولكنّني لن أجلس جانبًا وأتفرّج، منذ فترة، نشرتُ مقالًا في ذكرى اغتيال سمير قصير: “وليَكن الإحباط قدرًا” حقًّا، فما المانع في أن يكون الإحباط قدرًا؟ فليكن كذلك. فليكن هو المحرّك في عملنا.
نخوض الصّراع الطّبقيّ في لبنان، لا لأنّنا نتأمّل بغدٍ ما، بل لأنّنا محبطون أشدّ الإحباط وآن لنا أن نفارقه – لا من باب الأمل، لما قد يجلب من إرهاصاتٍ عند اصطدامه بواقعنا المقيت، بل من باب انعدام الخيارات الأخرى فحسب.