رحيل الرّقم عشرة

رحيل الرّقم عشرة

علي زراقط

مات محمّد عطوي، لاعب كرة القدم الرّقم عشرة. كلّ محبّي ومحبّات الكرة يعلمون خصوصيّة الرّقم عشرة في الملعب. أن تكون طفلًا يربى وهو يراقب مارادونا وبادجيو ورونالدينيو، وتحلم بأن ترتدي قميصًا عليه من الخلف الرّقم عشرة، كي تكون أنت، أنت وحدك الحرّيف اللّعيب، بل أكثر كي تكون أنت، وأنت وحدك، صانع اللّعب وصانع الفرحة لجماهير كثيرةٍ تهتف باسمك وتحيطك من كلّ جانب. ترى نفسك في المنتصف بوقفة التّحدّي تسطع عليك كلّ الأضواء، تسدّد وتراوغ وتمرّر، وتحرز الهدف فترفعك الجماهير فوق الرّؤوس وترقّصك، ترميك في العالي وتلتقط جسدك الحيّ الحامي.
مات الرّقم عشرة، مات صانع الألعاب، مات برصاصةٍ طائشة. عندما نشاهد المباريات في المدرّجات أو على التّلفاز، نتحمّس. وعندما يقوم أحد المدافعين بحركةٍ عنيفةٍ مؤذيةٍ للّاعب الحرّيف نتألّم، تمتعض وجوهنا وتنكمش العضلات حول الفم، وتتقطّب العضلات فوق العيون، وتشتدّ العضلات حول الأنف لتفتح ثغرة التّنفّس قليلًا، تتوسّع فتحة الأنف كي ندخل هواءً أكثر إلى الصّدر ونحن ننتظر نتيجة الفحص الأوّليّ للّاعب المحبوب داخل الملعب. يحدث هذا حين يستهدفه مدافع بقصد اللّعب بخشونةٍ طائشة، وأقصى ما يمكن أن يحلّ هو أن يصاب الرّقم عشرة، فيتوقّف عن اللّعب لفترة.
أتذكّر أنّي بكيت عندما أصيب فان باستن، السّاحر الهولنديّ. وهذا كابوس المشجّع، أن يخسر لاعبه. لكن مهلًا، ما بالنا إذًا عندما يموت الرّقم عشرة، لا بسبب لعبٍ خشن، بل برصاصةٍ لا طيش فيها؟! وإن كان ذاك أسوأ كوابيس المشجّعين، فأين نحن من كوابيس الأمّ، الأب، والأخت والأخ، والأحبّة؟! لم يمت محمّد بالخطأ، مات لأنّ رجلًا تابعًا لعصابةٍ من عصابات الحكم قرّر أن يطلق النّار في تشييع أحد ضحايا مجزرة المرفأ. مات محمّد لأنّ رجلًا قرّر أن يزيد الموت موتًا، وأن يروي الدّم بالدّم، بكلّ ما في صيغة الوصف هذه من الهمجيّة والرّجعيّة. وها هو مسجى في نعشه، بجسدٍ باردٍ إلّا من دموع أهله، ها هو مجدّدًا تحت الأضواء، إلّا أنّه هادئ، ساكن، مسلّمٌ روحه لأيدي جماهيره ترفعه فوق الرّؤوس، جسدًا ميّتًا. ترى هل سيلفّونه بعلم الأنصار؟ ترى هل سيرقّصون التّابوت كما يفعلون دائمًا في بلادنا مع الشّهداء؟! ما معنى أن تكون شهيدًا في بلاد الأرز والحمّص بطحينة؟ للأسف لا شيء. كثرة استهلاك الكلمات تفقدها معناها، وتحيلها لفظًا مجرّدًا. فلننظر إلى لائحة الأسماء وصور وجوههم ولننظر إلى أنفسنا في المرايا، فإن لم تتشكّل قسمات وجوهنا من لمعات عيونهم والتفاتة ابتساماتهم، وإن لم تتشكّل غيوم أيّامنا القادمة من طراوة أحلامهم، فإنّ الشّهادة في هذه الأرض لا معنى لها. الموت هنا، في بلادٍ تقودها أعيان البلاهة والجهل والتّخلّف، لا قيمة له. “حقّك رصاصة” يقول لك أصغر أعضاء العصابة. وهي كذلك الحياة، ثمنها بثمن رصاصة، أو بثمن ٢٧٠٠ كيلوغرام من الأمونيوم والكثير الكثير الكثير من إرادة التّجهيل والدّفع نحو التّخلّف.
ها هو الرّقم عشرة بطل الأنصار، غريمنا المحبوب اللّعّيب بالنسبّة إلينا نحن مشجّعي ومشجّعات النّجمة، يذهب برصاصة. يا حيف.
لا نلوم البلاد، فهذا التّراب وتلك الوديان والسّهول والجبال لا ذنب لها، هكذا شكّلتها الطّبيعة. لا نلوم الشّعب أيضًا، ذلك أنّنا لا نلوم من لا يمتلك امتياز الاختيار، ومن تؤسَرُ لقمة خبزه في يد السّلطان. إلّا أنّ بيننا يعيش القتلة، في عصاباتٍ متحكّمةٍ بالبلاد وأدواتها من دولةٍ وأمنٍ وعسكر، يستخدمون كلّ شيء، كلّ شيء وأيّ شيء كي يدفعوا بحياتنا إلى الخلف، كي يعرقلوا تقدّم الرّقم عشرة، كي يمنعوه من تحقيق الحلم. هم يعلمون جيّدًا أنّ طريقهم للسّيطرة تمرّ بالجهل القاتل، يخوّفون النّاس بمدى قدرتهم على استدعاء التّخلّف. وكلّنا يعلم أنّ أهلنا لا يحبّون الرّصاص، وكلّنا يعلم أنّ أهلنا لا يحبّون الحرب، وكلّنا يعلم أنّ أهلنا يخافون من بطشهم وجهلهم وكأنّي لا أبتعد بهم عن عمرو بن كلثوم حين قال في معلّقته: “ألا لا يجهلن أحد علينا – فنجهل فوق جهل الجاهلينا.”
هذا هو الخوف الّذي يقومون بزراعته في رؤوسنا، كأنّهم يقولون: “إن لم تخفوا من الضّرب والسّحل والملاحقة القضائيّة، وهاكم تجرّأتم وشتمتم وواجهتم الرّصاص بالحجارة، ستخافون من الجهل.” بلادنا، وبإرادة قادة العصابات، ذاهبةٌ إلى الإيغال بالتّخلّف، إلى انتشار الموت الرّخيص والجهل، إلى الأمراض والتّلوّث، إلى الحرائق والفيضانات، وجفاف الآبار وندرة مياه الشّرب. هذا ليس قدرها، هذا خيار قادتها، كلّ قادتها، بإرادةٍ جاهليّةٍ محتقرةٍ لحياة النّاس، ومحتقرةٍ للشّعب، لا ترى قيمةً إلّا في المال والنّفوذ. أمّا الوطن والحقوق والقضيّة والحياة الكريمة فكما الشّهادة، ما هي إلّا كلمات يلوكونها ويكثرون منها إلى أن تفقد معناها. للأسف، إنّ الكثر من قادة الانتفاضة وحركات ١٧ تشرين يشاركونهم الرّؤية للشّعب، ويرون النّاس أعدادًا لا أكثر. الوقوف على أطلال الانتفاضة لا ينفع، والانقسام العاموديّ بين “ثوريّين” و”جمهور” الأحزاب لا ينفع. لقد تجاوزنا الزّمن وعلينا المضي مع الأحداث نحو سياسةٍ أخرى تحاول حتّى خداع وهم الأمل، وبلا أثقال العمق الزّائف لليأس، تحاول لأنّ المحاولة هي الحياة ولأنّ جماهير الأحزاب أو المحايدين هم أهلنا، وهم مثلنا أسرى العصابات وهم يموتون كلّ يومٍ أمام أعيننا. لذا، وجب علينا البناء لأجل حياة. وجب علينا البناء على المعرفة في مواجهة الجهل، وعلى القوّة في مواجهة الخوف، وعلى التّفكير البارد المتعقّل في مواجهة الانجرافات العاطفيّة الآنيّة، وأن نعلم يقينًا أنّه كذلك يكون الانتقام.
الرّحمة لروح محمّد عطوي، الرّقم عشرة، حبيب قلوبنا. والرّحمة لأرواح من ماتوا. وليبقَ هذا اليوم في الذّاكرة: ٤ آب ٢٠٢٠، حين صار الانتقام واجبًا.