لقد رصدوا نبضًا تحت الرّكام

لقد رصدوا نبضًا تحت الرّكام

تصوير نبيل اسماعيل

إليانا بدر

“لقد رصدوا نبضًا تحت الرّكام”، خبرٌ احتلّ شاشات التّلفزة وكان كفيلًا بإعادة المعنى لحياتنا، نحن المثقلون بعجزنا منذ جريمة 4 آب، المحمّلون بقلوبٍ معطّلةٍ وعيونٍ لم تعد تصلح إلّا للبكاء.
فريق إنقاذٍ جاء من شيلي، عرفنا أعضاءه من لباسهم البرتقاليّ و”فليتش” الكلبة المرافقة والمتخصّصة بالبحث عن النّاجين، الّتي أعادت الأمل لبؤساء هذه المدينة ولمئات الآلاف الّذين يملكون كلّ أسباب الرّحيل وما زالوا هنا يبحثون عن أملٍ صغيرٍ حتّى وإن أتاهم من كلبةٍ تشيليّةٍ أعادت رسم ملامح وجوههم المسمّرة على الشّاشات منتظرين نبضًا يجدّد أملهم بالبقاء أكثر. هكذا، وبعد مرور شهرٍ على تفجير بيروت، بدأ الفريق التّشيليّ وكلبته فليتش بأعمال البحث تحت أنقاض مبنى في منطقة مار مخايل عن حياةٍ محتملةٍ رصدتها آلاته، عن نبضٍ يعيد لبيروت بعضًا من الحياة الّتي فقدتها.
بسرعةٍ هرع المراسلون إلى المكان وكأنّهم أجمعوا على بثّ رسالةٍ مفادها أنّ الخبر سارّ. هناك نبضٌ قد يخرق مواكب الموت اليوميّة. الأنفاس تُعدّ وترصد بانتظار خبرٍ جديدٍ. ومع التّوقّف المفاجىء للبحث بحجّة انهيار أحد الجدران المتصدّعة في المبنى المنهار، انقطع البثّ على الشّاشات ومعه انقطع الأمل بإمكانيّة وجود حياةٍ عصيّةٍ على الموت. تعطّلت القلوب مجدّدًا. مرّ خبر توقّف البحث بعاديّةٍ مفرطةٍ، كأنّه يخبرنا عن فضّ اجتماعٍ روتينيٍّ، بتفاهة سلطةٍ اعتدنا وقاحتها وإهمالها. ككثرٍ مثلي، ، لم أتمكّن من استيعاب جريمة التّوقّف عن البحث والتّخلّي عن احتمال وجود حياةٍ تحت أنقاض هذا المبنى. غادرت المنزل بحثًا عن الأمل الّذي أريد، وما عدت أذكر كيف وصلت إلى محيط المبنى المدمّر وكيف بدأت بتصوير الأحداث وبثّها مباشرةً عبر فيسبوك، وكيف استطعت أن أستمرّ بالبثّ ثلاثة أيّامٍ متواصلةٍ.
في اللّيلة الأولى، مواطنون ومواطنات غاضبون وغاضبات يشتمون السّلطة لتقاعسها، وشباب وشابّات تسلّقوا الرّكام ورفضوا النّزول عنه مهما كلّفهم الأمر للضّغط على الجهات المعنيّة بإعادة إطلاق عمليّات البحث في ظلّ محاصرة عناصر من الجيش اللّبنانيّ للمبنى. كنّا قلّةً وكان الغضب كبيرًا. فإصرار المعترضين أعاد فريق الدّفاع المدنيّ إلى المكان واستؤنفت عمليّة البحث. علا التّصفيق بجنونٍ مشجّعين، أعادوا الكرة إلى ملعب موتهم. عاد البحث وعدت لمتابعته متنقّلةً من مكانٍ إلى آخر حتّى دخولي منزلًا مقابلًا للمبنى المدمّر الّذي استقبلني صاحبه بكلّ ودٍّ، والّذي تحوّل إلى محطّة انتظارٍ لأصدقاء وإعلاميّين وفرق البحث. هناك، بقيت ثلاثة أيّامٍ شبه متواصلة، تسمّرت فيها أمام نافذةٍ مطلّةٍ على المبنى. كان الفريق التّشيليّ قد استعاد مهمّته بعد عودة فريق الدّفاع المدنيّ. في المنزل نفسه الّذي كنت فيه، بقي الفريق الشّيليّ والمهندس الفرنسيّ وطلّابه. كنت أحاول دائمًا تتبّع آخر إحداثيّاتهم، وكلّما سألتهم عن الأمل أجابوا أنّ الأمل موجودٌ وأنّ النّبض ما زال هناك. ربّما كانوا يبيعوننا وهمًا، لكنّنا كنّا أكثر النّاس استعدادًا لشرائه. خطوةً بخطوةٍ رحت أتابع ما يجري وأحاول نقل الصّورة إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من المتابعين والمتابعات، ورغم وجود وسائل إعلامٍ عدّةٍ في المكان نفسه إلّا أنّ البثّ المباشر الّذي رصدته تمّ تناقله بين كثرٍ داخل لبنان وخارجه. آمالٌ كثيرةٌ عُلّقت على شاشة هاتفٍ. كنّا نتشارك الوجع نفسه، الهمّ نفسه. جزءٌ منّا مدفونٌ هناك تحت أنقاض هذا المبنى، نريد استرداده. كنّا نبحث عن معنى كي نقوى على الاستمرار.
فكرة وجود ناجٍ محتملٍ وجثّة ضحيّةٍ مفقودةٍ، أنستنا ولو للحظةٍ لوعة فقدان الـ 191 ضحيّةً و6500 جريحًا و300 ألف مشرّد. ضمنيًّا، كان جميعنا يدري أنّ بقاء أحدهم على قيد الحياة لهذه المدّة وفي هذه الظّروف بعد شهرٍ على التّفجير، كان أمرًا شبه مستحيلٍ. كنّا نعلم. لكنّ فكرةً وحيدةً سيطرت على الجميع: ثمّة نفس هناك… شهيق زفير… شهيق زفير… يتصاعد سبع مرّاتٍ في الدّقيقة وسنجده. نفسًا واحدًا تعويضًا عن خسارتنا، عن عجزنا، عن يأسنا، تعويضًا عن حياتنا الّتي أضحت رخيصةً جدًّا. حتّى آخر لحظةٍ، رفضت أن أترك حيّ مار مخايل المهزوم. تشبّثت بالأمل، نعم بكلّ قوّةٍ. كان الأمر أشبه بماءٍ حبستها بين أصابعي لأيّامٍ ثلاثة. أملٌ رفضت أن ينقضي. لكنّ الأمل خذلنا، وكان الأمر مؤلمًا جدًّا لنا نحن النّاجون والنّاجيات صدفةً.
لم يجدوا نبضًا تحت الرّكام، ولا جثّةً مفقودةً. وحتّى هذه اللّحظة، ما زال الرّكام على الأرض متروكًا، شاهدًا على عجزنا وعلى سفالة سلطةٍ لم يأتِ يوم حسابها بعد. انتهى البحث. رحل التّشيليّون. اختفت فليتش عن الأنظار وبقيت في ذاكرتنا الجماعيّة. انتهى بثّي المباشر وبقينا نحن أسرى الشّاشات والانتظار، نبحث عن فكرةٍ تنقذنا من هزائمنا المتتالية، عن مبرّرٍ لكلّ هذه الخيانات الّتي تعرّضنا لها، عن معنى قويٍّ نواجه فيه كلّ هذا التّحريض على الموت. ما زال الوقت مبكّرًا على الرّحيل. نريد أن نحيا.