نحو تحرير أنفسنا واقتصادنا من التّبعيّة وسماسرتها

نحو تحرير أنفسنا واقتصادنا من التّبعيّة وسماسرتها

تصوير نبيل اسماعيل

جاد شعبان

منذ حلول الرّبيع العربيّ وثوراته الاحتجاجيّة على لبنان في 2011 عبر المظاهرات المطالبة بإسقاط النّظام الطّائفيّ، مرورًا بالتّحرّكات النّقابيّة في 2013 واحتجاجات 2015 إثر أزمة النّفايات، وصولًا إلى ثورة 17 تشرين 2019 وانتفاضة اللّبنانيّين واللّبنانيّات على سلطة القهر والفساد، احتلّ الشّقّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ جزءًا أساسًا من المطالب الإصلاحيّة للنّاس. وقد أكّد الانهيار الاقتصاديّ والماليّ المتعمّد منذ بداية ثورة 17 تشرين على صوابيّة المطالب الشّعبيّة، إن كان من ناحية مكافحة الفساد والاحتكارات واستعادة الأموال المنهوبة والانحياز لمصالح النّاس الاقتصاديّة ومحاسبة جميع المسؤولين عبر قضاءٍ مستقلّ.
لكنّ الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة المطلوبة، الّتي تخدم مصالح 99% من النّاس على حساب ثروات وأرباح 1% من الأثرياء والمتنفّذين، لا يمكنها أن تصبح جذريّةً ومستدامةً إن لم يتمّ العمل على كسر تبعيّة الاقتصاد اللّبنانيّ للرّأسمال الأجنبيّ، بالتّوازي مع كسر تبعيّة المواطنين والمواطنات لنموذج الإنفاق الّذي رسّخه تدفّق الأموال الخارجيّة.
منذ الاستقلال، كان لبنان وما يزال بلدًا ذا اقتصادٍ صغيرٍ وتبعيٍّ، مبنيٍّ على نظامٍ استهلاكيٍّ شبه كاملٍ بحيث نستورد ما يزيد عن 80% من الطّاقة والأغذية وغالبيّة المنتجات والخدمات الّتي نستهلكها. كما اعتمدت البلاد لفترةٍ طويلةٍ على التّدفّقات الماليّة لتمويل ديْنها العامّ واستهلاكها المحلّيّ، بحيث بلغت قيمة التّدفّقات الخارجيّة في السّنة الواحدة إلى الاقتصاد اللّبنانيّ أكثر من 50% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ في السّنوات الماضية. وقد أصبح لدينا، نتيجة هذا الأمر، قطاعٌ مصرفيٌّ متضخّمٌ، مع ميزانيّةٍ موحّدةٍ للمصارف التّجاريّة في البلاد انتقلت من 188% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ في العام 1997 إلى 388% في العام 2019.
من أين أتت كلّ هذه الأموال الّتي دخلت إلى لبنان؟ أسهمت الحوالات النّقديّة من المهاجرين والمهاجرات في تمويل الاستهلاك المحلّيّ بشكلٍ كبيرٍ. وبوجود العائدات النّفطيّة وإيرادات الحوالات النّقديّة من المهاجرين والمهاجرات، اعتمد الاقتصاد المحلّيّ إلى حدٍّ كبيرٍ على هذا المصدر الوفير لرأس المال. ونتجت التّبعيّة أيضًا في العلاقات الاقتصاديّة بين مختلف المجموعات داخل البلاد: فموظّفو الخدمة المدنيّة كانوا يعتمدون على رواتب ومعاشات تقاعد الحكومة؛ واعتمدت الدّولة على أموال المصارف المحلّيّة من أجل تمويل قطاعها العامّ المتضخّم بالمحسوبيّات وغير الفعّال؛ فيما راكمت المصارف المحلّيّة أرباحًا خياليّةً من خلال الاعتماد على تدفّقات رأس المال الخارجيّة المنتظمة. قد خلق هذا الأمر نظام روابط اقتصاديّةٍ متداخلةٍ، عرضةً للتّقلّب وضعيفةً إلى حدٍّ كبيرٍ.
أدّى تحويل الاقتصاد اللّبنانيّ باتّجاه الاعتماد شبه التّامّ على رؤوس الأموال الخارجيّة، إلى ترسيخ تشوّهاتٍ كبيرةٍ في الاقتصاد المحلّيّ. فكانت لهذه التّبعيّة تأثيراتٌ عميقةٌ في خيارات التّنمية؛ في حين كانت إعادة إعمار البنية التّحتيّة أساسيّةً بعد الحرب، أتى خيار المجموعات كافّةً في المجتمع (وليس الحكومة فحسب) بتنمية قطاع الخدمات والتّركيز المفرط عليه. فنمت موجودات المصارف والقطاع العقاريّ والسّياحة بالاتّكال على الحوالات الخارجيّة. وبشكلٍ موازٍ، غرق المواطنون في نمطٍ استهلاكيٍّ غير مستدامٍ، بحيث أصبحت غالبيّة العائلات والشّركات غارقةً في ديونٍ وفي بحبوحةٍ مصطنعةٍ. كما غاصت القطاعات الزّراعيّة والصّناعيّة في التّخلّف، وامتدّ تأثير التّبعيّة الرّأسماليّة إلى المناهج التّعليميّة بحيث أصبحت موجّهةً نحو تدريب الأفراد على العمل في قطاعات الخدمات غير المستقلّة، في لبنان كما خارجه.
مع الاعتماد المفرط على التّدفّقات الماليّة الواردة، خلق النّظام الحاكم احتكاراتٍ حول مصادر النّشاط الاقتصاديّ هذه بغية السّيطرة عليها والاستفادة منها. فتأسّست جماعات ضغطٍ نافذةٌ حول التّدفّقات إلى لبنان، رسميّةً كانت أو غير رسميّةٍ، وتمكّنت من السّيطرة على وسائل نقل تدفّقات السّلع والأموال والتّدفّقات البشريّة إلى البلاد، ما أتاح لها التّحكّم الكامل بالسّلطة الاقتصاديّة والسّياسيّة. والدّليل على هذه الهيمنة يظهر بوضوحٍ في الفساد والمحسوبيّة في مؤسّسات الدّولة الّتي تنظّم الاستيراد وتسيطر على الموانئ والمعابر الأساسيّة من وإلى البلاد، وكان آخر تجلٍّ دمويٍّ لهذا الفساد في التّفجير الإجراميّ لمرفأ بيروت بداية آب الماضي. كما تجلّت هذه الهيمنة في حصر قطاعي الوكالة والتّوزيع على امتيازات الوكيل الحصريّ؛ وفي الكارتيلات القطاعيّة وأهمّها كارتيل المصارف التّجاريّة؛ وفي جماعات الضّغط النّافذة في واردات النّفط والبناء؛ وفي السّيطرة المستمرّة على التّدفّقات البشريّة من العمّال الأجانب واللّاجئين من قبل الأجهزة الأمنيّة. فأصبحت تقريبًا نصف الأسواق في لبنان على الأقلّ تتمتّع بهيكليّاتٍ احتكاريّةٍ أو قائمةً على احتكار القلّة. وحتّى على مستوى مؤسّسات المجتمع المدنيّ ، تركّز توازن القوى في أيدي الجماعات الّتي تسيطر على التّدفّقات الاقتصاديّة من وإلى هذه المؤسّسات. برع القادة السّياسيّون ورجال الدّين في ترسيخ علاقة التّبعيّة مع أنصارهم وتعزيزها، بينما قاموا بحرمانهم من تنميةٍ إنسانيّةٍ حقيقيّةٍ يمكنها أن تحرّرهم من هذه التّبعيّة وتقويض سلطة حكّامهم.
ينبغي إذًا التّركيز على كسر هذه التّبعيّة عبر تحرّكاتٍ وإصلاحاتٍ جذريّةٍ تستهدف إغلاق الصّناديق والمؤسّسات الّتي تدير عمليّة صرف التّدفّقات الماليّة، خصوصًا مجلس الإنماء والإعمار والمجالس الأخرى. ويجب العمل على محاربة كافّة أنواع الاحتكارات عبر تحرير القيود على العمالة الأجنبيّة من قبل السّماسرة والأجهزة الأمنيّة، ورفع الضّرائب المباشرة على القطاعات الرّيعيّة وخصوصًا أرباح الفوائد المصرفيّة العالية والهندسات الماليّة. بالتوازي مع ذلك، لا يمكن كسر بقيّة التّبعيّات خصوصًا الطّائفيّة والمناطقيّة منها إلّا عبر إقرار إصلاحاتٍ سياسيّةٍ أساسيّةٍ تمكّننا من العبور فعليًّا إلى دولةٍ علمانيّةٍ ذات سيادةٍ تعزّز العدالة الاجتماعيّة والاستدامة البيئيّة وتحترم حقوق كافّة المقيمين في هذا البلد الصّغير بحياةٍ أفضل.