الثّورات لا تعرف الحياد

الثّورات لا تعرف الحياد

تصوير طارق قبلاوي

هاني عضاضة

لا توجد ثورةٌ واحدةٌ في التّاريخ البشريّ عرفت “الحياد” بين مجرمٍ وضحيّة، أو ظالمٍ ومظلوم، أو حاكمٍ ومحكوم، أو مستعمِرٍ ومستعمَر. تهلك الثّورة، وتنقلب كلّ انتفاضةٍ ثوريّةٍ فيها على ذاتها، فتصير رجعيّةً مضادّةً للثّورة، لحظة إعلانها “الحياد” وانفصالها عن السّيرورة الثّوريّة العامّة، حينما تصبح ثنائيّة “الأنا والآخر” مقياس كلّ شيء، بدلًا من أن يكون الإنسان هو المقياس، على اعتبار أنّ قضايانا المحلّيّة/الوطنيّة يمكن أن تنفصل، أو تنسلخ قسرًا، عن محيطها الإقليميّ والعالميّ، وبالأخصّ عن قضايا النّاس المضطهَدة والشّعوب المحتَلّة في المنطقة العربيّة، وثورتها المستمرّة رغم كلّ القمع والتّحدّيات الدّاخليّة والخارجيّة.
إنّ خطاب الحياد، في جوهره اللّاأخلاقيّ، والّذي يدعو إلى الفصل بين نضالات الشّعوب العربيّة بوجه أنظمتها الإجراميّة المتشابكة والدّاعمة لبعضها بعضاً، وإلى الفصل بين تلك النّضالات وبين نضال الشّعب الفلسطينيّ في مواجهة الاحتلال الصّهيونيّ وسياساته الاستيطانيّة، كما إلى الفصل بين كلّ هذه النّضالات وبين نضالات وحقّ الشّعوب والقوميّات كلّها في تحديد مصيرها في المنطقة والعالم؛ هو الوجه الآخر لخطاب تطويع الشّعوب العربيّة والّذي يترجم عمليًّا عبر دعم المحاور الإقليميّة والدّوليّة للأنظمة العربيّة الدّيكتاتوريّة، بجميع الأشكال الممكنة، وتحويلها إلى كياناتٍ إداريّةٍ متنافسة، تخدم هذه السّياسة الخارجيّة أو تلك. وذلك كلّه في سياق الشّعارات الشّعبويّة، القوميّة أو المذهبيّة، الّتي تجبر في نهاية المطاف النّاس على الانصياع إلى منطق “لا صوت يعلو فوق صوت الرّصاص”، حتّى ولو كان ذاك الصّوت هو صوت ملايين الجياع والمقهورين والمتضرّرين وعشرات الآلاف من السّجناء السّياسيّين. مبدأ الحياد، سواء كان إيجابيًّا أم سلبيًّا، يتناقض جوهريًّا مع مبدأ التّضامن. الحياد هو سلاح الأنظمة المتهالكة لضمان بقائها. فما الهدف من التّمييز بين قضايا الشّعوب العربيّة، وفصل نضالاتها وعذاباتها عن بعضها بعضًا، والتّركيز على الخصوصيّة في كلّ بلدٍ على حدة؟
من الطّبيعي جدًّا أن يتراكم لدى الشّعوب العربيّة، منذ العام 2011 تحديدًا، شعور العداء للمحاور الإقليميّة، وعلى رأسها المحوران الإيرانيّ وأنظمة الخليج، وأن يتنامى لديها مؤخّرًا الشّعور بالقلق من المشروع التّركيّ الّذي يذكّرها بحقبةٍ استعماريّةٍ قاسية. فكلّما أثبتت تلك المحاور شراستها في الدّفاع عن أنظمةٍ رجعيّةٍ وديكتاتوريّة، ودعمها لميليشياتٍ مذهبيّةٍ تنمو كمجموعة طفيليّات تعتاش على الصّراعات الدّاخليّة والحروب الأهليّة، ازداد رفض النّاس لتدخّلاتها وهيمنتها. دفاع تلك المحاور عن أنظمةٍ جلبت لشعوبها الذّلّ والقهر والإبادات الجماعيّة وأبشع أنظمة السّجون في العالم، ليس مقاومةً لأيّ “استكبار أميركيّ”، ولا دفاعًا عن “هويّة قوميّة عربيّة” بوجه مشروعٍ “فارسيّ”، ولا نضالًا أو جهادًا من أجل “تحرير فلسطين”، ولا استعادةً لأمجاد الخلافة الإسلاميّة بصيغتها العثمانيّة. إنّه ببساطةٍ دعمُ قتلةٍ ينتهكون حقوق شعوبهم – على صعيد الحرّيّات الفرديّة والجماعيّة، إن لم يكن على صعيد الحقّ بالعمل والمأكل والملبس والمسكن – لقتلةٍ آخرين من أجل تنفيذ أجنداتهم الجيوسياسيّة. الحياد، كما يطرحه ساسة وكهنة الطّبقة الأوليغارشيّة المسيطرة في لبنان، من موقع التّبرّؤ من صراع الشّعوب والأنظمة (الّذي لا ينفصل بأيّ شكلٍ من الأشكال، وعلى أيّ مستوى من المستويات، عن صراع الشّعوب ضدّ الاستعمار والاحتلال)، هو إعلان انتحار، بل إعلان خضوعٍ كاملٍ دون شرطٍ للنّظام السّياسيّ الطّائفيّ في لبنان، ولما يمثّله من نموذجٍ قائمٍ على القهر الطّبقيّ والاجتماعيّ والثّقافيّ، وبالتّالي استسلامٌ مسبقٌ وغير مشروطٍ لأيّ مشروعٍ استعماريٍّ أو رجعيٍّ منتصرٍ في المنطقة العربيّة، وخاصّةً في منطقة الشّرق الأوسط.
لا بدّ أن يكون ثمّة خاسر يدفع الثّمن إذا كانت هناك من معادلةٍ سياسيّةٍ تضمن ربحًا مشتركًا لطرفين خارجيّين أو أكثر، وذاك الخاسر الوحيد والأوحد هو بالطّبع الشّعوب المنتفضة ضدّ أنظمتها، وليس الأنظمة. تلك الأخيرة هي الّتي تبيح التّدخّلات الخارجيّة، فتفرّط بالأرض وناسها وتضعهم رهينة محورٍ خارجيٍّ بذريعة مواجهة محورٍ آخر. المشهد في العراق يبدو أكثر وضوحًا، فتقارب المصالح الإيرانيّة-الأميركيّة (والفرنسيّة مؤخّرًا) يفرض نفسه باستمرارٍ على المستوى السّياسيّ منذ الغزو الأميركيّ للعراق عام 2003، على الرّغم من النّزاعات الحادّة بين الحين والآخر – بل ربّما بفضلها –، وقد راقب العالم انتفاضة تشرين العراقيّة الرّافضة لكلّ التّدخّلات الخارجيّة والمطالبة باجتثاث منظومة الفساد، ولم يكن التّعامل الايرانيّ مع الانتفاضة ودّيًّا؛ فنتج عن قمع واغتيال المدنيّين والشّباب العزّل، من خلال أجهزة الدّولة والميليشيات المذهبيّة على حدّ سواء، ما لا يقلّ عن 750 شهيد و22000 جريح. أمّا في سوريا، فإنّ المصالح الرّوسيّة-التّركيّة-الإيرانيّة-الأميركيّة الّتي تفرض نفسها، بين تقاربٍ هنا وتباعدٍ هناك، تمنع ثورة الشّعب السّوريّ من الوصول إلى أيّ نتيجة، وذلك بعد 9 سنواتٍ من القتل والتّدمير المتواصل، وتهجير نصف الشّعب في أكبر نكبةٍ شهدها القرن الواحد والعشرين. أمّا في اليمن، فلا زالت حرب التّقسيم والإبادة الجماعيّة جاريةً، ولا نهاية لها سوى بتسويةٍ إيرانيّة-سعوديّة-إماراتيّة، أي بضمان مصالح تلك المحاور المتصارعة بالذّات. المشهد الأكثر وضوحًا على الإطلاق، هو المشهد اللّيبيّ، حيث تتكالب القوى الإقليميّة والدّوليّة على ليبيا لضمان حصّتها وتوسيع مصالحها، مستخدمةً الصّراع بين قوّات حفتر وحكومة الوفاق الوطنيّ مطيةً لتنفيذ مخطّطاتها، فيما تشرّع لنفسها التّدخّل العسكريّ المباشر واستجلاب المرتزقة من شتّى أنحاء العالم.
هذا التّوصيف السّريع للمشهد العامّ يضعنا أمام تساؤلاتٍ عدّة حول مصلحة القوى الخارجيّة في الحفاظ على استقرار نموذج المحاصصة الطّائفيّة في لبنان وليس الاستقرار الاجتماعيّ كما تدّعي. وأمام هذا التّوصيف، علينا أن نسأل: كيف يمكن لسياسة الحياد أن تكون من مصلحة الشّعب اللّبنانيّ، وهي سياسةٌ تصبّ في مصلحة تطويع المجتمع اللّبنانيّ على الامتثال لنظام الأوليغارشيّة ولوصفاته الكارثيّة من أجل الخروج من الانهيار الاقتصاديّ من جهة، وفي إقناعه بأنّ مصلحته تكمن في الانفصال عن المحيط العربيّ، وتقطع بالتّالي، الحبل السّرّيّ لجنين ثورةٍ عربيّةٍ لم تولد بعد؟