لبنان الكبير عالقًا بين البحر والأوليغارشيّة: أين المفرّ؟

لبنان الكبير عالقًا بين البحر والأوليغارشيّة: أين المفرّ؟

تصوير نبيل اسماعيل

رامي الأمين

في صورةٍ مؤرّخة في 1920-09-26، يقف الجنرال “هنري غورو” بيده المبتورة ونياشينه ورأسه المرفوع بغروره المعهود، أمام منزله في عاليه، يحيط به سبعة عشر عضوًا يشكّلون “اللّجنة الإداريّة للبنان الكبير”. كانت تلك اللّجنة بمثابة حكومةٍ شكليّة، أبقت السّلطة الفعليّة في يد “المستشارين الفرنسيّين”. وكان غورو قد شكّل اللّجنة من خمسة عشر عضوًا، بينهم خمسة مسلمين فقط. غير أنّه، إذ واجهته مقاطعةٌ إسلاميّةٌ شاملة، على ما يقول فوّاز طرابلسي في “تاريخ لبنان الحديث”، اضطرّ إلى توسيعها لتثبيت الحصص الطّائفيّة وإرضاء الجميع ولتصبح الحصص على الشّكل التّالي: “6 موارنة، 3 أرثوذكس، 1 روم كاثوليك، 1 درزيّ، 4 سنّة و2 شيعة”. هذه المحاصصة انسحبت إلى اليوم، بعد مئة عام، مع حفيد غورو “إيمانويل ماكرون”، الّذي يؤلّف حكومةً سلطتها الفعليّة بيد “المستشارين الفرنسيّين”.
بيد أنّ هذا التّكرار للتّاريخ المحاصصاتيّ الطّائفيّ في تشكيل السّلطة اللّبنانيّة، يعود في عمقه إلى التّركيبة الهشّة للكيان الّذي نتج عن صراعٍ خفيٍّ بين البريطانيّين والفرنسيّين على تقاسم النّفوذ في المنطقة (1)، مع ما سبق ذلك من جدل الانفصال والاتّصال بسوريا، وما أُسيل من حبر “أورجوانيّ” لتأكيد فينيقيّة لبنانيّة – سوريّة، ليبدو “لبنان الكبير” متضمّنًا في سوريا الكبرى (2)، بعد أن أبدت فرنسا رغبتها، مع طموحات غورو “الصّليبيّة”، في بسط ظلّها على سوريا كلّها. وإذا كان “لبنان الكبير” قد استقرّ إلى ما هو عليه اليوم، نازعًا من سوريا موانئ بحريّة، ومضيفًا إلى الكيان القائم على العشائر المارونيّة والدّرزيّة، عشائر جديدة، “لم تستوعب نتائج تجربة الجبل، فظلّت العشائريّة كامنةً وراء ستار الدّيمقراطيّة”، على ما يقول كمال الصّليبيّ، فإنّ هذا الـ “لبنان الكبير” يشبّهه صليبي لـ “تمثالٍ من النّحاس المذهّب ولكنّه يقف على رجلين من الخزف”. هذا التّمثال النّحاسيّ ذو القدمين الهشّتين، استند إلى دستورٍ وضعت مسوّدته لجنةٌ في العام 1926 كان ميشال شيحا سكرتيرًا لها، و”سعى شخصيًّا إلى ألّا يحكم الدّستور كلّ البنية السّياسيّة للجمهوريّة، بحيث يترك الباب مفتوحًا أمام تعديلاتٍ دوريّةٍ تتمّ بالتّوافق بين مختلف المجموعات الطّائفيّة والزّمر السّياسيّة”. هذا معناه أنّ شيحا أولى أهمّيّةً كبيرةً للعرف، مفضّلًا إيّاه على الدّستور المكتوب (متأثّرًا بالتّجربة البريطانيّة)، مع ما يؤمّنه هذا الأمر من مرونةٍ تمكّن من “استيعاب كلّ الخلافات القائمة، دون اللّجوء إلى أحكامٍ قانونيّةٍ مصطنعةٍ قد ترضي جماعةً وتغضب أخرى، وقد تؤدّي إلى استعمال العنف”(3). وثمّة ما يدعو للاعتقاد، بحسب طرابلسي، إلى أنّ شيحا صاغ إضافاتٍ تتعلّق بحقوق الطّوائف وبالتّمثيل الطّائفيّ، عبر المادّة 95 الّتي تدعو إلى “التماس العدل في توزيع المناصب الحكوميّة والإداريّة بين الطّوائف المختلفة”.
هذه “المرونة” الدّستوريّة الّتي نظّر لها شيحا، لم يعش ليرى نتائجها، “حين انفجر العنف آخر الأمر وأطاح بالتّقاليد الّتي كان لها وحدها، في رأيه، أن تحافظ على المثاليّة الفينيقيّة المتصوّرة لجمهوريّته التّاجرة”. وانفجار العنف في محطّات 1958 و1975، وصولًا إلى الطّائف، ومن بعده سلم أهليّ ركيك ومديد، محكوم بهذا النّوع من التّوازن الشّيحويّ، القائم على التّصنيف على أساس “علامات طائفيّة”، و”لئن وقع الاختيار على ذلك النّهج التّصنيفيّ فبسبب تغييب الاقتصاد، أيضًا، في تحديد العلاقات البشريّة الاجتماعيّة كعلاقات الإنتاج”(4). بهذا المعنى، فإنّ لبنان انتهى إلى صيغةٍ طائفيّةٍ تعزل مجموعاته، عموديًّا، كلّ منها عن الأخرى، بحسب مهدي عامل، ولا يمكن أن تتداخل أفقيًّا إلّا بتداخلها اقتصاديًّا، ومن ثمّ سياسيًّا وأيديولوجيًّا، كطبقاتٍ اجتماعيّة. وهذا ما طرحته فعليًّا ثورة 17 تشرين الّتي انتفضت على تغييب الاقتصاد كناظمٍ للعلاقة بين الطّبقات الاجتماعيّة واستحضار الانقسام الطّائفيّ لتسيير البلاد بالمحاصصة وبالسّير بين الألغام لتفادي الانفجار الأهليّ الطّائفيّ، من دون أيّ التفاتة إلى خطر الانفجار الاقتصاديّ – الاجتماعيّ.
وقد قامت جمهوريّة لبنان الكبير “التّاجرة” على “أوليغارشيّة تجاريّة وماليّة استولت على السّلطة في البلاد مع العهد الاستقلاليّ”، وكانت درجة السّيطرة الاحتكاريّة “الّتي مارستها تلك الأسر على اقتصاد البلاد مبهر”، وراكمت ثرواتها من اقتصاد الحرير والتّجارة الاستيراديّة زمن المتصرّفيّة، ومن أرباح الحرب العالميّة الثّانية الّتي أنفقها الحلفاء في لبنان وسوريا، ومن أموال الهجرة. وقد امتلكت هذه العائلات الأوليغارشيّة، بحسب طرابلسي، دزّينةً من المصارف المحلّيّة وأكبر شركات التّأمين، وسيطرت على الوكالات الحصريّة للاستيراد، وامتلكت الفنادق والمؤسّسات السّياحيّة وشركات الخدمات العامّة. أي تمامًا كما هي الحال اليوم مع امتصاص الأوليغارشيّة الحاكمة لكلّ مقدّرات البلاد عبر المحاصصة الطّائفيّة أوّلًا والعائليّة ثانيًا، ولو على أنقاض مدينةٍ تدمّرت بفعل انفجار “عصب” هذه الجمهوريّة الشّيحويّة التّاجرة، مرفأ بيروت، وتفجيره هو تفجير لآخر رشفةٍ من “كأس التّبنّي التّامّ لهويّة لبنان البحريّة”(5). لكنّ عاصمتنا، بحسب تعبيرٍ لجاد تابت، يستشهد به أحمد بيضون، “نمت وهي مديرةً ظهرها للبحر”. فانفجر المرفأ من وراء ظهرها، وأعاد عقارب الزّمن مئة سنة إلى الوراء، ليدخل المفوّض السّاميّ الجديد “إيمانيول ماكرون” من بوّابة المرفأ إلى وصايةٍ جديدةٍ على لبنان المحاصر: البحر من ورائه والأوليغارشيّة الحاكمة المتحكّمة بالمحاصصة الطّائفيّة من أمامه، فأين المفرّ؟

  1. أنظر كتاب جايمس بار “خطّ في الرّمال” عن الصّراع بين بريطانيا وفرنسا الّذي شكّل الشّرق الأوسط
  2. أحمد بيضون، “مغامرات المغايرة- اللّبنانيّون طوائف وعربًا وفينيقيّين”
  3. راجع كتاب كمال الصّليبيّ، “بيت بمنازل كثيرة”، ص 240
  4. مهدي عامل، “مدخل إلى نقض الفكر الطّائفيّ”، ص 75
  5. التعبير لأحمد بيضون