فخامة التّابوت

فخامة التّابوت

تصوير نبيل اسماعيل

فوزي ذبيان

كان ذلك في عهد الرّئيس الثّالث عشر للجمهوريّة اللّبنانيّة “ميشال عون”، حين درجتْ في البلاد عادة تجارة التّوابيت. امتلكتُ تابوتًا أسود فخمًا من خشب الآبّينوس اللّمّاع، وضعته على الرّصيف وجلست بقربه بانتظار مَنْ يشتريه. لكن، منَ عسى يشتري التّابوت منّي؟! فكلّ واحدٍ من النّاس اقتعد ركنًا في الشّارع وبحوزته تابوتٌ للبيع. كنت أتأمّل تابوتي الجميل وأمسّد فوق خشبه المأمون الجانب حين مرّ بي رجلٌ وسألني عن سعر التّابوت.
مطّ شفّته إلى أقصى إمكانات المطّ وقال “لا، إنّ سعره غالٍ جدًّا.” هو رجلٌ في منتصف الثّلاثينات من العمر، معفّرٌ بالتّراب. رحل ولم يعُد.
كانت الشّمس في كبد السّماء كعينٍ ضخمةٍ لا ترمش، بينما أنا قرب تابوتي الأسود الّذي آمل بيعه مع كلّ مارٍّ في الشارع. لكن أين لي بمشترٍ والكلّ في هذه المدينة يزاحم الكلّ في تجارة التّوابيت؟! “ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”، قلت لنفسي وأنا أرصد رجلًا في حوالي السّتّين من العمر يدنو منّي. دون أن يكلّمني، عرضتُ عليه تابوتي الأسود. فتحتُ غطاءه برصانةٍ وبإتقانٍ، ثمّ شرعت بشرحٍ مطوّلٍ حول جدارة هذا التّابوت. تفرّس في لا شيء، ولّاني الظّهر وانصرف دون أن ينبس بحرف. تفرّس مليًّا في لاشيئه ورحل.
برجف الصّوت وفحيحه، طلبتْ منّي امرأةٌ عجوز تبلغ من العمر عتيًا، أن أحمل تابوتي وأنتقل إلى الجهة الأخرى من الشّارع وإلّا!!! هي مثلي بانتظار مَن يشتري تابوتها وقد رأتْ فيّ مزاحم شرس. طلبتْ منّي الابتعاد وكفى. امتشقت تابوتي فوق ظهري وسرت مسافةً إلى أن شاركت أحدهم زاويته المرتبكة. أخالُ أنّه لم ينزعج من تابوتي الأسود الفضفاض، فهو تاجر توابيت أطفال.
رحّب بي عبرة ابتسامة متردّدة رسمها فوق شفتيه ببطءٍ وأيضًا كان معفّرًا بالتّراب. جلتُ ببصري في أنحاء المكان على غير هدى، وأنا أرهف السّمع إلى أصوات الصّمت الّتي كانت تتخلّل الكلام القليل الّذي يأتيه هذا الشّارع. أيّ من ناس الشارع لم يكن يبادل الآخر إلّا قليل الكلام. نعم، إنّ الكلمات القلائل الّتي يتداولها النّاس هنا، هي تلك المتعلّقة فقط ببيع وشراء التّوابيت.
لا أحاديث في المدينة تتجاوز صندوق الموت هذا.
قال لي أحد المارة أنّ تابوتي أنيقٌ جدًّا. جثا على ركبتيه، قبّل إحدى حواف التّابوت وكرّر أنّه جميلٌ جدًّا. منّيتُ النّفس خيرًا بهذا الرّجل فائق الذّوق، لكنّه رحل ولم يقتنِ التّابوت. “موتنا أرخص بكثير”، قال وهو يقهقه هامًّا بالانصراف… أيضًا كان معفّرًا بالتّراب.
أسندتُ ذقني إلى تابوتي الأسود وأنا أتأمّل شخصًا يفاصل جاري، تاجر توابيت الأطفال، بالسّعر. فرحتُ لجاري، فالرّجل اشترى دفعةً واحدةً تابوتين ووعد بشراء الثّالث خلال أيّامٍ أو ربّما ساعاتٍ… وأحسب أنّه ما من داعٍ للقول أنّه أيضًا مثل كلّ الآخرين كان معفّرًا بالتّراب.
راقبته كيف تأبّط تابوتي طفلاه إلى أن توارى بين النّاس وتوابيتهم، وكان المساء قد ضرب أطنابه وصولًا إلى أوّل اللّيل. أخذ الشّارع بالانفضاض عن ناسه بالتّدريج إلّا منّي ومن آخرين يتاجرون مثلي بالتّوابيت. فنحن عادةً لا نغادر الشّارع لدى حلول اللّيل، إذ ليس للموت ميعادٌ، بل ترى فخامة الموت وقد تسيّد ليل البلاد ونهارها وما بينهما على حدّ سواء، يأتي ويذهب على هواه.
استيقظت على طرقٍ خفيفٍ فوق غطاء التّابوت. رفعتُ الغطاء بتمهّلٍ لتتسلّل عبره أوّل خيوط شمس الصّباح. خرجت من جوفه الهادئ وأنا ارحّب برجلٍ خمسينيٍّ يريد شراء التّابوت، وكنت بعد بين الغفوة والاستيقاظ. فنحن، في هذه المدينة، ننام ليلًا في توابيتنا وعند الصّباح نعرضها للبيع. كنت أتثاءب وأعمل على مطّ قامتي وفتل رقبتي إلى اليمين وإلى اليسار، بينما الرّجل الخمسينيّ يختبر تابوتي عبر فتح غطائه الثّقيل ثمّ إغلاقه ثمّ التّمدّد داخله فالخروج منه، وهكذا دواليك شأن أهل البلاد مع كلّ شروق شمس… كان ذلك في عهد الرّئيس القويّ فخامة العماد “ميشال عون”.