سيادة الدّولة ليست موقفًا، إنّما هي إنجاز

سيادة الدّولة ليست موقفًا، إنّما هي إنجاز

تصوير حسين بيضون

نزار صاغيّة – افتتاحية ١٧ تشرين
ليست المرّة الأولى الّتي يحصل فيها تدخّل دول أجنبيّة في تشكيل الحكومة. اللّافت هنا هو أنّ التّدخّل بات يحظى بمشهديّةٍ واضحةٍ تمثّلت بشكلٍ خاصٍّ في كيفيّة تسمية رئيس الحكومة المكلّف “مصطفى أديب”، وأيضًا في كيفيّة مخاطبة الرّئيس الفرنسيّ “مانويل ماكرون” للزّعامات السّياسيّة في لبنان. وهي مشهديّةٌ تظهر علاقةً هرميّةً تحاول الأطراف السّياسيّة تبريرها أو التّخفيف من وطأتها بالاستجابة لما يحبّون تسميته المبادرة الفرنسيّة، فيما نعلم جيّدًا أنّ هذه الاستجابة للخارج تندرج في غالب الأحيان في سياق العجز عن إدارة الشّؤون الأساسيّة للدّولة أو الاستجابة لقوى خارجيّة أخرى، قد تكون أقلّ ظهورًا من دون أن يعني ذلك أنّها أقلّ تأثيرًا وحضورًا.
في موازاة مشهديّة انهيار السّيادة على هذا الوجه، نشهد صعودًا لخطابٍ متجدّدٍ حول عجز المؤسّسات القضائيّة عن إنجاز تحقيقٍ مستقلٍّ في قضيّة انفجار المرفأ، وهو خطابٌ يهدف إلى إجراء تحقيقٍ دوليٍّ وربّما اللّجوء إلى محكمةٍ دوليّة. يأتي هذا الخطاب في موازاة لجوء مزيدٍ من المودعين إلى محاكم دول أوروبيّة أو أميركيّة لإقامة دعاوى جزائيّة ضدّ القطاع المصرفيّ على خلفيّة تبديد ودائعهم بتفاهماتٍ وسياساتٍ حوّلت هذا القطاع (الّذي طالما فاخر به لبنان) إلى ما يشبه جمعيّات الأشرار. ويزيد التّوجّه نحو هذه المحاكم الأجنبيّة بعد خيبةٍ عارمةٍ إزاء المنظومة القضائيّة الوطنيّة الّتي بقيت عاجزةً رغم بعض الأحكام الشّجاعة الصّادرة هنا وهنالك، عن تأمين الحدّ الأدنى من العدالة. هذا الخطاب يشبه، إلى حدٍّ كبير، الخطاب الحاصل في 2005 إثر اغتيال رئيس الوزراء السّابق “رفيق الحريريّ”. وقد خرج آنذاك الكثير ممّن كانوا يرفضون أيّ انتقاد للقضاء بحجّة “هيبة القضاء” ليعلمونا أنّهم لا يثقون باستقلال القضاء اللّبنانيّ المشرّع للتّدخّلات السّياسيّة على اختلافها وأنّ ثقافة استقلال القضاء في لبنان اضمحلّت تمامًا لمصلحة ثقافة التّدخّل فيه. تبعًا لذلك، تمّ فعليًّا إنشاء محكمةٍ دوليّةٍ خاصّةٍ (هي الأولى من نوعها دوليًّا للنّظر في قضيّةٍ إرهابيّة)، رحّب بها فريق 14 آذار على أنّها عنوانٌ للعدالة والحقيقة، فيما اعتبرها فريق 8 آذار على أنّها عنوانٌ للتّدخّل الخارجيّ والتّخلّي عن السّيادة. اللّافت أنّه منذ ذلك الحين، لم يقمْ أيٌّ من هذين الفريقين بأيّ مبادرةٍ لإصلاح القضاء اللّبنانيّ، بما يدحض حججهما تمامًا ويظهر عدم صدقيّتها. فكأنّما تمسُّك الفريق الأوّل بالحقيقة والعدالة ينحصر في قضيّة اغتيال الحريريّ وحدها، فيما أنّ تمسُّك الفريق الثّاني بالسّيادة لا يواكبه أيّ جهد للحفاظ على مقوّماتها. بمعزل عن مدى سدادة اللّجوء إلى المحاكم الدّوليّة، أليس من المرتقب أن تستشعر “الضّحيّة”، أيّ ضحيّة لجريمةٍ كبيرة، حاجةً للّجوء إلى مرجعيّاتٍ خارجيّة، هربًا من مؤسّسةٍ قضائيّةٍ باتت القوى السّياسيّة المهيمنة كلّها تسلّم بعجزها عن تحقيق العدالة؟ أليس من المرتقب أن يستتبع ضعف المؤسّسات القضائيّة وانهيارها انهيارٌ ما جازت تسميته السّيادة القضائيّة؟ وعليه، يصبح من المنطقيّ القول أنّ القوى السّياسيّة المهيمنة (وليس فقط بعضها) توافقت على التّخلّي عن السّيادة القضائيّة يوم توافقت على استتباع القضاء وفق القاعدة الّتي تعشقها، أي المحاصصة “الكاملة”.
ولا ننسى عند استعراض هذه المشهديّات الفاقعة الانهيار الماليّ وما قد يستتبعه من تهديدٍ أو انهيارٍ للسّيادة اللّبنانيّة إزاء الجهات المانحة والمقرضة، في ما يمكن أن يؤسّس لمقايضات “السّيادة مقابل القمح” أو”السّيادة مقابل الفيول”… وتمامًا كما حصل بشأن التّنازل عن السّيادة القضائيّة، هنا أيضًا أمكن القول بأنّ القوى السّياسيّة المهيمنة توافقت على التّنازل عن السّيادة الماليّة يوم توافقت على اقتسام الموارد العامّة وهدرها بمعزل عن أوضاع الماليّة العامّة أو على ارتفاع الفوائد بما يعطّل عجلة الاقتصاد، والأهمّ على تحويل الملكيّة الخاصّة المتمثّلة بودائع المودعين (مقيمين ومغتربين) إلى جزءٍ من الموارد القابلة للاقتناص والسّطو وفق قاعدة المحاصصة “الكاملة”.
بهذا المعنى، أيّ ادعاء لأيٍّ من القوى المهيمنة بتمسّكها بالسّيادة الوطنيّة أو بأيٍّ من عناصرها (الأرض أو الشّعب) هو ادّعاءٌ تناقضه بل تدحضه سلوكيّاته في الحكم. فالسّيادة ليست موقفًا ولا هي خطاب للمفاخرة أو المزايدة، بل هي إنجازٌ نحصده بقوّة المؤسّسات الّتي نبنيها ومقوّمات الاقتصاد، وهي هدفٌ نتخلّى عنه عمدًا كلّما تعمّدنا إبقاء هذه المؤسّسات على ترهّلها أو تقويض مقوّمات الاقتصاد. بهذا المعنى، يصبح هدف ثورة 17 تشرين في تحرير الدّولة ومؤسّساتها، مرادفًا لاسترداد سيادتها.