الصّفّ الأماميّ وجميع صفوف الانتفاضة الاجتماعيّة في بلازا دي لا ديجنيداد

الصّفّ الأماميّ وجميع صفوف الانتفاضة الاجتماعيّة في بلازا دي لا ديجنيداد

تصوير جاد غريّب

روبرتو فرنانديز دروجيت – ترجمة آية الراوي

يوم الجمعة ٢٧ ديسمبر كانون الأوّل، هو يوم مأساويّ بسبب وفاة ماوريسيو فريديس بالقرب من ساحة لا ديجنيداد جرّاء تعرّضه لقمع الشّرطة. مرّت سيارة إسعاف من جادة “ألاميدا”، هلّل لها المتظاهرون كالعادة. ردًّا على التّصفيق، أطلق السّائق البوق وصرخ في مكبّر الصوت: “القوّة لكلّ الصّفوف!” متلقّيًا المزيد من التّصفيق وصيحات الدّعم. بهذه الطّريقة أشاد السّائق بصفّ المواجهة الأوّل، خطّ التّماس، وهو المساحة الرّئيسيّة للمواجهة مع الشّرطة في وسط سانتياغو ومدن أخرى. لكنّه أيضًا توجّه إلى “الصّفوف الأخرى” الّتي تحتوي أشكال الاحتجاج الاجتماعيّ الّذي تشهده تشيلي منذ ١٨ أكتوبر تشرين الأوّل.
أروي هذه الحادثة مع سائق سيّارة الإسعاف لأنّ الصّفّ الأوّل، المُتعارف عليه بأنّه المساحة الّتي يواجه فيها النّاس رجال الشّرطة في سياق الانتفاضة الاجتماعيّة، أصبح ظاهرةً وموضع نقاش وجدل، غالبًا بحجج لا أسس لها ترتكز عليها، حجج تبسيطيّة أو محرَّفة، مفادها اعتبار هذه المساحة مساحةً إجراميّةً يسود فيها العنف والدّمارلا غير. على الرّغم من أنّ العنف المقاوِم في مواجهة عنف الشّرطة لا يزال يمثّل إشكاليّة متعدّدة الأبعاد، إلّا أنّ فهمه يتطلّب مقاربةً أكثر انفتاحًا لا تكتفي بمجرّد الإدانة. في هذا النّصّ، أقترح أنّ الصّفّ الأوّل هو ظاهرة معقّدة تفسّر جوانب ذات الصّلة بالانتفاضة، تتواجد مع أشكال أُخرى من الاحتلال السّياسيّ للمساحة العامّة، والّتي يمكن أن نسمّيها “الصّفوف الأُخرى”. بذلك، أريد أن أؤكّد أنّه بالإضافة إلى الاعتراف العادل والتّقدير الاجتماعيّ الّذي يحظى به الصّفّ الأوّل، هذه “الصّفوف الأخرى” الّتي لا تحظى بالشّعبيّة نفسها، تشكّل جزءًا أساسيًّا من الحراك الاجتماعيّ، بحيث يتمّ تنفيذ أنشطة وتطبيق قيم مرتبطة بالتّضامن والدّعم المتبادل والإدارة الذّاتيّة والرّعاية الجماعيّة.

الصّفّ الأوّل هو المكان الّذي يواجه فيه المتظاهرون والمتظاهرات رجال الشّرطة، رجال ونساء ومجموعات المعارضة الجنسيّة  وشبّان وشابّات وفئات غير شابّة أيضًا، يقيمون المتاريس ويرشقون الحجارة، لمنع وصول الشّرطة إلى المنطقة الّتي يتجمّع فيها باقي المتظاهرين. وفي سانتياغو، يحدث ذلك  في بلازا دي لا ديجنيداد (بلازا باكيدانو سابقًا) والمناطق المحيطة بها. إحدى خصائص الصّفّ الأوّل، هي الاعتراف والتّقييم الإيجابيّ الّذي تلقّاه جزء كبير من المواطنين النّاشطين، وهو تقييم يرى فيهم أشخاصًا شجعان وملتزمين، يخاطرون بنفسهم حتّى يتمكّن الباقون من التّظاهر. وتجدر الإشارة إلى أنّ إضفاء الشّرعيّة على العنف كشكل من أشكال المقاومة لعنف الشّرطة، هو ظاهرة جديدة تمامًا يمكن تفسيرها إلى حدّ كبير من خلال نزع الشّرعيّة عن ضبّاط الشّرطة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان الّتي مارسوها، والّتي غطّتها على نطاق واسع وسائل الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعيّ وتقارير مختلفة صادرة عن المؤسّسات الوطنيّة والدّوليّة.
سمةٌ أخرى تتعلّق بمستوى تنظيم المشاركين والمشاركات في الخطّ الأوّل؛ معظمهم يرشقون الحجارة، ولكن هناك أيضًا أشخاص يحملون دروعًا لحماية البقيّة من الطّلقات النّاريّة وعبوات الغاز المسيّل للدّموع، وآخرون يحملون الماء بالبيكربونات لمساعدة الأشخاص من الاختناق بالغاز المسيّل و/أو رذاذ الفلفل الّذي يتمّ إلقاؤه على المتظاهرين/ات. ومع ذلك، يعمل أشخاص آخرون يشكّلون ما أسمّيه بـ”الصّفوف الأخرى”،  بالتّنسيق مع الصّفّ الأوّل: هؤلاء يجدر تسليط الضّوء عليهم نظرًا لأهميّة دورهم في التّعبئة الاجتماعيّة. فمن ناحية، يقوم المتطوّعون في العناية الصّحّيّة والطّلّاب والمهنيّون بتقديم الإسعافات الأوّليّة لكلّ من يحتاجها، وهم لعبوا دورًا أساسيًّا في رعاية المصابين الّذين يتجاوز عددهم المائة أحيانًا، بعضهم بجروح خطيرة. ومن ناحية أخرى، يساهم موسيقيّون وفنّانون وعاملون ثقافيّون من خلال فرقهم الموسيقيّة والمسرحيّة والأدائيّة ورسوماتهم، في نقل الرّسائل والشّعارات وخلق أجواء احتفاليّة مُبهجة. هنا يمكننا أيضًا إضافة أندية كرة القدم الّتي تساهم بألوانها وأغانيها وألعابها النّاريّة. كما يوجد عدد كبير من الباعة المتجوّلين الّذين يقدّمون الطّعام والمشروبات والإكسسوارات مثل الأعلام والأقنعة والصفّارات للمتظاهرات والمتظاهرين، بالتّوازي مع وحدات التّوزيع المجاني الّتي تتمّ إدارتها بشكل مستقلّ وطوعيّ لدعم الصّفّ الأوّل بشكل أساسيّ ولكن ليس حصريًّا. أخيرًا، يحضر المراسلون والمصوّرون والصّحافيّون المستقلّون، يسجّلون بشكل منهجيّ كلّ ما يحدث في الشّارع، من أجل الكشف عن المعلومات الّتي غالبًا ما تُغفلها أو تحرّفها وسائل الإعلام. كما تجدر الإشارة إلى أنّه في سياق عمليّة التّسجيل والإبلاغ، يقوم مراقبون من منظّمات حقوق الإنسان بمتابعة إجراءات الشّرطة ودعم كلّ من تُطال حقوقه أو حقوقها.

نرى أنّ أشكال الاحتجاج الاجتماعيّ في الشّارع متعدّدة ومتنوّعة، وتعبّر عن مستوى عالٍ من التّنظيم تمّ بناؤه بشكل جماعيّ في إطار المعرفة الّتي اكتسبها المتظاهرون والمتظاهرات جرّاء خضوعهم/هنّ للقمع. تعمل كلّ هذه “الصّفوف” وفق إدارة ذاتيّة تحت راية مبدأ المساهمة في الاحتلال السّياسيّ للمساحات العامّة، وذلك من خلال خصوصيّتها ودرايتها ومصلحتها. كثيرةٌ هي المقالات والتّقارير حول مختلف الفئات من طلّاب ومهنيّين/ات ومعطّلين/ات عن العمل وربّات منازل وحتّى عائلات، كيف يتواجد كلّ هؤلاء وسط سانتياغو وينتظمون في صفوف مختلفة من أجل المساهمة في المظاهرة بالطّريقة الأنسب والأجدى. وبالتّالي، هم يساهمون في بناء مساحة جماعيّة متشعّبة ومتعدّدة الأوجه، تتطوّر تبعًا لمراحل تطوّر الصّراع الاجتماعيّ. وتجدر الإشارة إلى أنّه تمّ الحفاظ على هذه المساحة مع مرور الوقت، ومن المرجّح أن تبقى معقلًا من المعاقل الرّئيسيّة للانتفاضة الاجتماعيّة.

يعمل الكاتب في قسم علم النّفس الاجتماعيّ للذّاكرة ـ جامعة  تشيلي، مجموعة العمل على الذّاكرة الجماعيّة وممارسات المقاومة CLACSO