ضدّ حالة الطّوارئ: النّضالات المتقاطعة في هونغ كونغ والفلبّين

ضدّ حالة الطّوارئ: النّضالات المتقاطعة في هونغ كونغ والفلبّين

تصوير زكريا جابر

الدّول تجرّم حركات المعارضة ردًّا على موجة الانتفاضات العالميّة

ج ن، وسيمون ماغسالين – ترجمة بشير أبوزيد

شكّلت جائحة فيروس كورونا دليلًا على إخفاقٍ واسع النّطاق شهدته دول العالم أجمع في ما يتعلّق بمهمّة تأمين الرّعاية الصّحّيّة وتوفير موارد الحماية الفعّالة لمواطنيها ومواطناتها. وقد انتفض الكثيرون وثاروا في جميع أصقاع العالم ضدّ تقصير حكوماتهم، بحيث أنّ تعرّض الفئات الأكثر ضعفًا وتهميشًا للعدوى لم  يصب سوى في خدمة الحفاظ على تدفّق رأس المال العامّ. وقد خلقت الفوضى الاجتماعيّة الّتي تلت هذه الجائحة فرصةً مناسبةً للحكومات للبدء بتعزيز سلطتها، مستخدمةً تهديد “حالة الطّوارئ” من خلال تشريعات تعزّز احتكارها وممارستها عنفًا غير خاضع للمساءلة.

بهذا المعنى، فإنّ قانون مكافحة الإرهاب في الفلبّين الّذي وقّعه الرّئيس رودريغو دوتيرتي، وقوانين الأمن القوميّ (NSL) الّتي فرضها الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ على هونج كونج، مصنوعة من النّسيج نفسه، وتشكّل نموذجًا مصغّرًا عن واقعنا الجيوسياسيّ الحاليّ. في الحقيقة، قد تمهّد هذه القوانين إلى حقبة جديدة من الأنظمة العالميّة تحدّد إعادة بروز مفهوم السّيادة كما عرّف جوهرها المفكّر الألمانيّ “كارل شميت” قائلًا: ليس احتكار السّيادة للعنف، بل احتكارها لعمليّة تعليق سلطة القانون. 

قوانين الأمن القوميّ في هونغ كونغ

في حين كانت الاحتجاجات في هونغ كونغ مؤخّرًا تستهدف بشكل أساسيّ التّعدّي الممنهج من الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ على نموذج الدّولة الواحدة ذات النّظامين، اشتدّت الانتفاضة الحاليّة رفضًا لاستخدام الشّرطة العنف المتصاعد وغير الخاضع للرّقابة ضدّ المتظاهرين، ما أدّى إلى تسجيل حالات عنف قياسيّة وصرخات إدانة عبّر عنها حوالي السّبعة ملايين ونصف نسمة في هونغ كونغ.

يعود هذا العداء الشّديد لشرطة هونغ كونغ بشكل خاصّ لارتباطها منذ فترة طويلة بمفهوم “الاستقرار”. فقد شهد مجتمع هونغ كونغ البريطانيّ سابقًا، في فترة الاستعمار، بصفة المدينة مركزًا تجاريًّا بحريًّا، مزيجًا فوضويًّا من العمّال والتّجّار الّذين أتوا إليها من جميع أنحاء العالم. فأنشأ المسؤولون الاستعماريّون شرطة هونغ كونغ على صورة شرطة لندن المتروبوليّة. وكان للشّرطة الاستعماريّة آنذاك دورٌ أساسيّ في السّيطرة على العمّال وفي قمع الاضطرابات العمّاليّة. ببساطة، يتمثّل الدّور الأساسيّ لشرطة هونغ كونغ في حماية توليد الأرباح، وسلامة الملكيّة الخاصّة، وكذلك الحرص على انتقال السّيادة من نظام رأسماليّ استعماريّ إلى آخر. بقيت هذه الحقيقة على حالها، سواء أكانت تحت الإدارة الاستعماريّة البريطانيّة سابقًا، أم الآن، تحت إدارة حكومة هونغ كونغ، ما يفسّر جولات العنف اليوميّة الّتي ارتكبتها الشّرطة لما يقارب ١٢ شهرًا ضدّ المتظاهرين الّذين أخلوا  بالوضع الرّاهن.

من جانبهم، حقّق المحتجّون نجاحًا كبيرًا في مهاجمة الشّركات في هونغ كونغ. فبعد مرور خمسة أشهر على الاحتجاجات، دخلت المدينة في حالة ركود، بحيث عدّلت المصارف استشرافها الاقتصاديّ للنّاتج المحلّيّ الإجماليّ من النّموّ إلى الانكماش بنسبة تصل إلى ٥٪. وعلى الرّغم من سمعة الشّرطة في الحفاظ على النّظام (الرّأسماليّ)، فإنّ وحشيّتها في الواقع زادت رغبة سكّان هونغ كونغ في مواصلة احتجاجاتهم. فخيبة الأمل المتزايدة من مؤسّسات وصفت ذات يوم على أنّها “أفضل ما في آسيا” تفضح الفراغ المدقع الظّاهر في خطاب الشّرطة حول فرض النّظام الّذي يقدّم نفسه على أنّه النّقيض التّامّ للعنف والرّاديكاليّة.

هكذا، فإنّ هذا التّأثير الرّهيب على اقتصاد هونغ كونغ بشكل خاصّ، وعلى اقتصاد جمهوريّة الصّين الشّعبيّة إلى حدّ ما، مهّد الطّريق أمام سلطة الأمن القوميّ لاعتبار قوانينها حلًّا سياسيًّا واقتصاديًّا للاضطرابات. وفي هذا الصدد، أعرب وزير الماليّة في هونغ كونغ، بول تشان، عن إصرار  قطاعي المصارف والثّروة الخاصّة على دعم قوانين الأمن القوميّ، من دون الاطّلاع عليها، ولكن لمجرّد وعودها بتأمين “الاستقرار”. وعلى الرّغم من أنّ الرّأسماليّة الاستبداديّة لطالما كانت قادرةً على تحقيق أرباح بأساليب خاصّة بها، إلّا أنّه بالنّسبة إلى العديد من النّخب، فإن جزءًا أساسيًّا من “حالة الطّوارئ” يدور حتمًا حول الاقتصاد.

الجدير بالذّكر، أنّ عنف الشّرطة الّذي أجازته الدّولة، والّذي عصف بهونغ كونغ في النّصف الثّاني من عام ٢٠١٩،  كان بمثابة مقدمّة للأسلوب الاستبداديّ الّذي تعتمده الرّئيسة التّنفيذيّة “كاري لام” في الحكم. وقد ظهر لأوّل مرّة من خلال الاختبار وراء قانون حالة الطّوارئ لحظر تغطية الوجه في الأماكن العامّة في تشرين الأوّل ٢٠١٩، إلى فرض قوانين صارمة على التّجمّعات العامّة بحجّة سلامة الصّحّة العامّة بدءًا من كانون الثّاني حتّى حزيران ٢٠٢٠.

“بمواجهة الوباء والاحتجاجات معًا، أعلنت الحكومة حالتي طوارئ لتعزيز قواها بشكل شرعيّ…”

استخدمت الحكومة حالتي الطّوارئ تلك لشرعنة بسط سلطانها. ومع ذلك، كانت الدّولة المسبّب لفرض حالة الطّوارئ هذه  من خلال نظامها غير الدّيمقراطيّ في التّعامل مع الاحتجاجات من جهة، وأسلوبها المسيّس وغير الملائم في مواجهة وباء كورونا من جهة أخرى. بتوصيف أدقّ، شكّلت حالة الطّوارئ الغلاف الخارجيّ للقانون العامّ  – في ظلّ سيادةٍ من هذا النّوع، تكون حالة الطّوارئ دائمة، إنّما بمقاييس مختلفة.

ومن المفارقة أنّ قانون الأمن القوميّ الّذي فرضته بكين رسميًّا في ٣٠ حزيران ردًّا على الانتفاضة المستمرّة، يضاهي اقتراح مشروع قانون تسليم المجرمين الّذي أشعل الاحتجاجات في بادئ الأمر: تجريم المعارضة ضدّ جمهوريّة الصّين الشّعبيّة خارج حدودها بالسّجن لمدّة ثلاث أو خمس أو عشر سنوات كحدّ أدنى أو بالسّجن لمدى الحياة لارتكاب أعمال تخريبيّة  لم يتمّ تعريفها أو توضيح ماهيتها، ما أدّى إلى نشوء حقبة جديدة في تاريخ هونغ كونغ. فسرعان ما تمّ استخدام هذا القانون في الرّقابة على الكتب، حظر الشّعارات الاحتجاجيّة، وحتّى اعتقال المتظاهرين وإن كانوا يحملون ورقة بيضاء.

على الرّغم من الانتقادات الواسعة الّتي طالت القانون من سكّان هونغ كونغ ومن الخارج، إلّا أنّ حالتي الطّوارئ المرتبطتين بالوباء وبالعصيان المدنيّ دفعتا بالمؤيّدين إلى اعتبار إجراءات الأمن القوميّ ضروريّة. وبذلك، كلّما غرقت عامّة الشّعب في مستنقع “الضّرورة” بمواجهة تهديد محسوس، كلمّا قدّمت إلى الدّولة ذريعةً لتوسيع مفهوم “الطّوارئ”، وبالتّالي، ترسيخ الاستثناء كقاعدة جديدة.

قانون مكافحة الإرهاب في الفلبّين

وسط انشغال العالم في مواجهة جائحة كورونا، سارع مجلس الشّيوخ ومجلس النّوّاب الفلبّينيّ إلى تمرير قانون مكافحة الإرهاب الّذي أطلق عليه منتقدوه اسم “قانون الإرهاب”، إذ إنّه وسّع من صلاحيّات الشّرطة وسلطتها، بما في ذلك المراقبة المشدّدة والاعتقالات التّعسّفيّة. هنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ قانون مكافحة الإرهاب هو تعديل لـ “قانون أمن الإنسان” المثير للجدل. وقد صدّق الرّئيس دوتيرتي على قانون مكافحة الإرهاب كمشروع قانون معجّل ووقّعه في ٣ تمّوز رغم ما لقيه من اعتراضات واسعة. يأتي هذا القانون في بيئة قائمة على الإفلات من العقاب، حيث أنّ عمليّات القتل الخارجة عن نطاق القضاء – الّتي يتغاضى عنها الرّئيس، لا بل ويروّج لها – تستهدف الفقراء في أحزمة البؤس، بالإضافة إلى المسلمين وسكّان “لوماد” الأصليّين. 

تقف الشّرطة الوطنيّة الفلبّينيّة في طليعة مواجهات العنف الّتي تمارسها الدّولة، فقد تعاملت مع السّكّان بوحشيّة مطلقة، إذ لقي عشرات الآلاف حتفهم على أيدي الشّرطة والحرّاس في حرب دوتيرتي الكارثيّة على المخدّرات، فيما سجّلت أرقام مرتفعة من إدانات القتل في المعتقلات المكتظّة. في الأساس، تعاملت الدّولة مع الوباء كقضيّة أمنيّة وليس كقضيّة صحّيّة. فاستعمال حجّة “الحرب ضدّ عدوّ غير مرئيّ” سطحيّة جدًّا، بل هي ذريعة مثاليّة لإسكات المعارضة وشقّ الطّريق أمام قوانين وإجراءات تخدم توسيع سلطة الدّولة. وفي إطار إجراءات الحجر الصّحّيّ في البلاد، قتلت الشّرطة عددًا من المواطنين، وقد برزت قضيّة رفيعة المستوى، تناولت قيام ضابط أمنيّ بإطلاق النّار على أحد الجنود المتقاعدين وتصويب المسدّس إليه، بينما سارع البعض إلى التّعتيم على الجريمة.

في المقابل، يتمّ احتجاز العديد من السّكّان بغير حقّ بسبب “انتهاك قوانين الحجر الصّحّيّ”، على الرّغم من أنّ المعتقلين معرّضون لمخاطر الإصابة بفيروس كورونا بشكل أكبر. وتشبه هذه الإجراءات الوحشيّة قوانين عصر الأحكام العرفيّة. على سبيل المثال، تمّ توظيف العشرات من رجال السّلطة ونشرهم بدل تكريس الإجراءات الصّحّيّة والطّبّيّة. مجدّدًا، يظهر هذا الإفراط في استعمال قوّة القتل والعنف الطّريقة الّتي يولّد بها النّظام “حالة الطّوارئ” لتمكين الشّرطة وإضفاء الشّرعيّة على العنف الاستثنائيّ وتجريم المعارضة.

الحال في الفلبّين ليست مختلفةً عمّا يجري في هونغ كونغ. فالشّرطة الوطنيّة الفلبّينيّة تعمل لأجل حماية الأرباح وتوليدها، وغالبًا ما تتدخّل بشكل مباشر في نزاعات العمّال لصالح سلطات رأس المال. وقد برز ذلك بوضوح عندما قامت الشّرطة الوطنيّة بفضّ إضراب عمّال شركة كوزمك إنتربريز، حيث عملت بالتّنسيق مع أجهزة الأمن الخاصّة على استعمال العنف لوضع حدّ للاعتصام الّذي استمرّ شهرًا. وألقت الشّرطة القبض على العمّال ومنظّمي الاعتصام بتهمة “الاعتداء” عليها، أو بالأحرى، بتهمة الدّفاع عن أنفسهم في مواجهة قمعها في الاعتصام. قد تجلّت هذه الانتهاكات في عدد من المناسبات الأخرى، مثل التّوقيفات والاعتقالات التّعسّفيّة للنّشطاء من العمّال في عيد العمّال، وفي مسيرة الفخر للمثليّين في حزيران الفائت، وفي كابوياو في السّابع عشر من تمّوز هذا العام. لا شكّ أنّ هذه الانتهاكات ستتواصل في ظلّ قانون مكافحة الإرهاب الّذي يجرّم الاحتجاجات. في المقابل، فإنّ الأعمال الوحشيّة الّتي نشهدها اليوم، ما هي إلّا بمثابة صورة مصغّرة عمّا ينتظرنا من أوقات مظلمة.

طالما استمرّ قانون مكافحة الإرهاب بتجريم المعارضة، ستستمرّ السّلطات باعتداءاتها القمعيّة واعتقلاتها التّعسّفيّة.

أحكام القانون الجديد واسعة، الأمر الّذي لا يؤشّر إلى إيجاد الرّئيس دوتيرتي والشّرطة طرقًا عديدةً لتطبيقه فحسب، بل من المفترض أن يكون لهذه الأحكام تأثير مخيف كذلك. يعتمد هذا التّأثير على خصائص شخصيّة “الإرهابيّ” الّتي تخلقها الدّولة. فيمكن للعمل الإرهابيّ أن يشمل نشر أدبيّات راديكاليّة، بما في ذلك تغريدات ومنشورات على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أو التّبرّع لمنظمّات وجمعيّات غير حكوميّة، أو بكلّ بساطة، المشاركة في الاحتجاجات في الشّارع. في مناخ سياسيّ تستمرّ فيه الدّولة بوضع “إشارات حمر” على النّشطاء، أي تتّهمهم بالانتماء إلى حركات ماويّة متمرّدة، لا شكّ في أنّ استخباراتها تقوم بوصف المعارضين والنّاشطين واتّهامهم بالـ “الإرهابيّين” كذلك. الآن، أصبح الأشخاص من مختلف الأطياف السّياسيّة والحياتيّة أكثر عرضةً لاستهدافات غير مبرّرة إلّا أنّها تعود لرغبة مجلس مكافحة الإرهاب الّذي يتألّف من وزراء وقادة عسكريّين وضبّاط مقرّبين من الرّئيس.

في الوقت الحاليّ، تمتدّ الاعتقالات الّتي تتمّ من غير إذن قضائيّ لمدّة يوم أو يومين على الأكثر، لكنّ القانون الجديد يجيز الاعتقال بدون إذن قضائيّ لمدّة قد تصل إلى ٢٤ يومًا طالما تمّ تصنيف المشتبه به أنّه إرهابيّ. بمجرّد اعتبارهم “إرهابيّين”، يمكن أن يُسجن المواطنون لمدّة ١٢ عامًا. كذلك، وسّع القانون من صلاحيّات الدّولة في المراقبة بحيث لا يعفى أيّ شخص من المراقبة والتّنصّت على المكالمات الهاتفيّة. وكما هي الحال مع قوانين الأمن القوميّ في هونغ كونغ، فإنّ “قانون الإرهاب” له تداعيات خطيرة على جميع التّنظيمات، إذ أنّ تحدّي الدّولة على أيّ مستوى الآن بات جريمة.

كثيرًا ما يكرّر المؤيّدون لـ”قانون الإرهاب” المنطق المشترك القائل بأنّه إن لم تكن إراهبيًّا، فلن يكون لديك ما تخشاه. إنّها عبارة مثيرة للشّفقة شبيهة بعبارة “إن لم تكن من مستخدمي المخدّرات أو من المروّجين لها، فلا داعي للخوف” الّتي سمعت كثيرًا في ذروة الحرب على المخدّرات، في الوقت الّذي نشهد فيه اغتيال عشرات الأبرياء والقاصرين على يد الشّرطة، ومن بينهم كيان دي لوس سانتوس البالغ من العمر ١٧ عامًا. لدينا الكثير ممّا نخشاه من الدّولة.

مقاومة التّوجّه العالميّ لتعزيز سلطة الدّولة

بالتّالي، فإنّنا نؤكّد أنّ المعارضة ليست جريمة. اليوم، يبدو واضحًا أكثر من أيّ وقت مضى أنّ مقاومتنا في هونغ كونغ والفلبّين متقاطعتان. قوانين الأمن القوميّ الجديدة هذه لا تهدف إلى حماية النّاس من “المنشقّين” أو “الإرهابيّين” بل إلى حماية سلطة الدّولة لتؤدّي دور القاضي والحكَم والجلّاد في مواجهة أولئك الّذين يشكّلون خطرًا على الاستقرار الماليّ والسّياسيّ.

من جانبه، استطاع دوتيرتي أن يجد هذا الاستقرار في الرّئيس الصّينيّ شي جين بينغ. فمع تراجع الغرب، أثبت دوتيرتي أنّه حريص على جذب الاستثمار الصّينيّ في عقود تعدين غير قانونيّة عبر تهجير السّكّان الأصليّين وتدمير أراضيهم. وقد كان أكثر من مستعدّ لاتّباع خطى شي جين بينغ الاستبداديّة، بالتّزامن مع تقديم الصّين دعمها في تمويل حرب دوتيرتي على المخدّرات والقضاء على هذه الآفة. فقد شهدت السنوات الأخيرة في الصين محاولات لدفع الحكومة نحو “سيادية دولتية” جديدة من قبل محلّلين سياسيين مؤثرين عبر الترويج لمفهوم شميت عن الحكم باعتباره احتكار الدولة للقانون. نظرًا إلى القوّة الرّأسماليّة الاستبداديّة الّتي تمتلكها الصّين عالميًّا، فإنّ ترويج شي جين بينغ لمفهوم اعتبار “حالة الاستثناء” قاعدة في الحكم هي بمثابة ضوء أخضر لحكّام استبداديّين آخرين للقيام بالمثل.

من المؤكّد أنّ هذا التّوجّه العالميّ لتدعيم سلطة الدّول باسم حالة الطّوارئ بات ملحوظًا في كلّ مكان: ثورة غرب بابوان في أندونسيا، واحتجاجات في تشيلي ولبنان، ونشطاء مناهضون للاحتلال في فلسطين، وتحرّك السّترات الصّفر والاحتجاجات المناهضة للعنصريّة في فرنسا، ومتظاهرون في صربيا، وحركة بلاك لايفز ماتر (حياة السّود مهمّة) في الولايات المتّحدة الأميركيّة. في الواقع، سيستمرّ إهمال الدّول في مواجهة الوباء بالتّسبّب باضطرابات اجتماعيّة. فأينما وجدت “القوّة على” ستواجه من الأسفل حتمًا بـ”القوّة مع”. وهكذا، أظهر الشّعب في هونغ كونغ وفي الفلبّين، من خلال الدّعم المتبادل، أنّ القوّة معهم. فالقوّة الّتي نتشاركها مع الآخرين هي الّتي تسمح لنا بمواجهة قوّة الجميع علينا.

القوّة الّتي نتشاركها “مع” الآخرين هي الّتي تسمح لنا بمواجهة قوّة الجميع علينا.

بات الكثير من النّاشطين السّياسيّين المتواجدين على جانبي بحر الصّين الجنوبيّ يعون أنّ هذه المعركة هي بمثابة معركة كونيّة. فبينما تقوم الصّين بتسليح الفلبّين استعدادًا لشنّ حرب على شعبها، نشهد أعمال تضامن عدّة من قبل النّاشطين والنّاشطات في كلٍّ من هونغ كونغ والفلبّين دعمًا لبعضهم البعض وللانتفاضات في أماكن أخرى من العالم. فعلى سبيل المثال، يطالب أفراد الشّتات الفلبّينيّ في هونغ كونغ بالحرّيّة لكلا البلدين، بينما تواجه عاملات المنازل الفلبّينيّات المهجّرات عقوبات من أرباب عملهنّ ومن الحكومة الفليبّينيّة في حال انخرطن في أيّ نشاط سياسيّ. وفي هذه اللّحظة، لا بدّ للمحتجّين في هونغ كونغ أن يتأكّدوا أنّ معركتهم ضدّ الدّولة تشمل محاربة الظّلم الّذي تتعرّض له الفئات المهمّشة والأكثر استضعافًا في المجتمع أيضًا.

بالنّسبة إلى المعارضين والمعارضات حول العالم، يعتبر الانتصار في صراع واحد بمثابة انتصار لجميع الصّراعات. وبالتّالي، مع استمرار التّضييق على مساحات حريّتنا، فإنّ الهزيمة في صراع  واحد تنعكس هزيمةً للجميع. في زمن الوباء، وبمواجهة تعزيز سطوة الأنظمة الاستبداديّة عالميًّا، ما علينا سوى تمكين قوّتنا وتدعيمها من الأسفل.