عشنا لنَنجو

عشنا لنَنجو

تصوير نذير حلواني

جاد نصرالله

كالعادة، لن أستيقظ في الصّباح لأمسّد شعرك وأنت في السّرير نائمة. تديرين لي ظهرك في حركة لا إراديّة حين أهمّ بوضع الغطاء على كتفيك. كالعادة، لن أرتدي ملابسي على مهل بعناية الوسواس القهريّ. كالعادة، لن أشرب القهوة وحيدًا لأخرج بعدها مسرعًا من المنزل. خلال النّهار، لن أضحك. فقدتُ قدرتي على الابتسام. لن أتظاهر بعد عصر ذاك الثّلاثاء أنّني بخير. كالعادة، لن أستمتع بالنّظر إليك وأنت تخلعين عنك الثّياب في المساء. كالعادة، لن نتظاهر بممارسة الحبّ فيما ندير وجهينا بعيون مغمّضة على شهوة أخرى. لن أحبس الدّمع كالعادة لأبدو أمامك بمظهر من هو على ما يرام. وكعادتي، كلّ صباح يوم جديد في الحمّام، لن أستمع إلى أغنيتي الفرنسيّة هذه “comme d’habitude”…

ربّما مُتنا قبل قليل. لقد انفجر كلّ شيء. فرحنا المصطنع وحزننا المستوطن وعادات يوميّاتنا المُثقَلة بما لم تصنعه أيدينا. كلّ ما يعتمل في النّفس استحال حطامًا. وإن نجوت بجسدي وأشيائي الصّغيرة، فالحظّ لن يحالفني في مرّة قادمة داخل حقل الألغام هذا. رُمينا فيه ولم نقرأ اللّافتة المعلّقة على سوره “انتبه! خطر لبنان”. ولأنجو، ها أنا ذا على درب الخروج من أقصر الطّرق. لا حاجة غرائزيّة تدفعني للتّلفّت إلى الأشلاء تتطاير في الخلف أو سماع صراخ استغاثة. صوت أيّ كان. أقرب النّاس إليّ. لا أريد العيش هنا بعد الآن. فلتبقَ تحت الرّدم، كجثّة طُمِرَت في مقبرة جماعيّة. وهل في ذلك يأسٌ وجبنٌ واستسلام! فليكن إذًا. بعد تفجير البلاد فينا، أرتاح للاعتقاد أنّ كل من عليها ناجٍ. محظوظ؟ ربّما. حرٌّ من تستكين نفسه لليقين هذا. أمّا أنا، فهارب إلى فضاء آخر ما استطعت إليه سبيلًا. الخيمياء لم توجد بيننا يومًا. وها نحن نفترق ولسنا أصدقاء.

أسأل نفسي عن الحظّ في العيش هنا؟ كمعظم أبناء جيلي، نشأتُ فقيرًا مع عائلة تآكلتها الدّيون في الحرب الأهليّة. عرفت كيف يحكم العوز علاقتك بالآخرين. المسخرة (تنمّر في المعجم الحديث) على ثياب ابتيعت من البالية (outlet كما يحلو لأهل المدينة تعريفها). أقلقتني معرفتي إن كنت سأحصل على المال من أبي لأشتري به منقوشة في فسحة السّاعة العاشرة كي أستعيض عنها بـ”عروس” لبنة ذابلة. طفلًا رأيت أبي يرشي العسكر بخوات من الخبز والفاكهة والخضار كي يضمن وصولنا إلى المنزل بأقلّ مذلّة ممكنة. وفي حقبة السِّلم المصطنع ونفاق “إعادة الإعمار”، اضطررت العمل باكرًا جدًّا. لا أذكر أنّني سافرت. لم أدّخر مالًا أصرفه على أشياء جميلة أحبّها. فأنا لم أمتلك منه ما يكفي. طعم فاكهة القشطة حين تذوّقتها لأوّل مرّة عالق في فمي. تفاصيل مترفة لا فائدة ترجى من سردها. وهي إن دلّت على شيء، فعلى طاقاتنا الّتي استُنزِفت في هذه البلاد سعيًا لتأمين أساسيّات العيش الكريم؛ طعام كافٍ ومياه نظيفة وفراش وثير. جَهِدنا كثيرًا في أيّام وليالٍ طوال حتّى أصبحنا ما نحن عليه. كأنّ بجيل واحد عاش ضِعفَي سنين عمره وأكثر. رغم كلّ ذلك، ضاع كلّ شيء!   

لو قُدِّرَ لغابرييل غارسيا ماركيز العيش على هذه الرّقعة الصّغيرة من كوكب الأرض، كم كان ليروي؟ أيكفي خياله مئة عام من الطّائفيّة والحروب الأهليّة ليكتب قصّة موتنا المُعلَن؟ أم يكتفي بصوغ حكاية العشر ثوانٍ لقنبلة خيميائيّة اختصرت بكثافتها نهج جمهوريّة لبنانيّة وأخلاق حاكميها. عشنا لنروي… عشنا لنبكي… عشنا لنشوي… عشنا لننشوي… عشت لولدي… عشت لعائلتي… عشت لغروري… عشت للّا شيء… عشت لأستعرض… عشت لأفسد… عشت لأنفجر… عاش للعهد… عاش ليتقاعد. عاش لنموت. نموت وتحيا فلسطين… رابطة العيش هي مجموعة أربعتنا السّرّيّة. نمتهن النّميمة كفعل مقاوم في التّواصل الافتراضيّ ممتحنين به قدرتنا على الحياة. لا نستثني أحدًا باستثنائنا نحن الأربعة، طبعًا! وحين أُنشئت رابطتنا القلميّة هذه، كانت لحثّ رفيقنا على قراءة عزلة ماركيز في أعوامه المئة. وإذ بنا نعيش متلعثمين لا قدرة لنا على الاستمرار بعد أن نُثِرنا كحبّات القمح على مرفأ بيروت. فمنّا من طاف على سطح مياه البحر؛ ومنّا من احترق بفعل حريق الانفجار؛ ومنّا من ينتظر، كعصف مأكولٍ.