دفاعًا عن حقّ الكاتب في الحياة

دفاعًا عن حقّ الكاتب في الحياة

تصوير مروان طحطح

 فراس حميّة

لمّا كانت الدّيمقراطيّة هي شرط نجاح العلاقة الصّحيحة والمثمرة بين الكاتب والسّلطة، كان من الطّبيعيّ أن يسود الخلاف علاقته مع السّلطة في لبنان. وأيّ كاتب؟ ليس ذلك الكاتب الّذي يهادن السّلطة ويلبس ثوب الكاهن ويضع جبّة الشّيخ “ليلحس” إصبعه من عطاياها، وإنّما ذلك الكاتب الّذي يناصر الضّعفاء والعمّال والكادحين ويطالب بالحرّيّة والمساواة ويحرّض ضدّ التّمييز الطّبقيّ والتّفاوت في الثّروات ويدفع ثمن مواقفه من لحمه الحيّ.

القضيّة الأساس لطالما كانت حرّيّة الكاتب، باعتبارها قضيّة حرّيّة المجتمع ككلّ. حرّيّة الكاتب تتضمّن مجموعةً من الحرّيّات الدّيمقراطيّة مجتمعةً في وحدةٍ لا تتجزّأ؛ ومنها حرّيّة الرّأي وحرّيّة التّعبير وحرّيّة الموقف والعمل السّياسيّ وحرّيّة المعتقد الدّينيّ وحرّيّة الاختلاف والاتّفاق وحرّيّة النّقد الدّينيّ وحرّيّة الصّحافة والنّشر والتّوزيع والعمل النّقابيّ والإبداع الفنّيّ والأدبيّ وغيرها.

يمكن القول أنّ جميع الحرّيّات الدّيمقراطيّة هي حرّيّاتٌ ملازمةٌ لحرّيّة الكتابة؛ فحرّيّة الكاتب ليست سوى الدّيمقراطيّة بأعمق معانيها. وفي المحصّلة، فإنّ مشكلة الكاتب مع السّلطة في لبنان ليست “سلبطة” ولا تجنّي من منطلق الرّفض للرّفض. إنّها مشكلة تراكمات فشل السّلطة وما أوصلت إليه البلاد والعباد.

فالأنظمة حين تضطهد الكاتب، إنّما هي تخنق صوت الّذين/اللّواتي لا صوت لهم/لهنّ كما تبيّن من النّهج المتّبع في لبنان، منذ 17 تشرين وحتّى اليوم. والمعادلة معكوسةٌ أيضًا؛ فاضطهاد المواطن/ة في ماله/ها وعمله/ها وجسده/ها، إنّما هو اضطهادٌ للكاتب والثّقافة والحرّيّة معًا.

لأنّ اضطهاد المواطن/ة وسرقة تعب عمره/ها ومدّخراته/ها يستتبع بالضّرورة ضرب الحرّيّات الّتي تقوم عليها حرّيّة الكاتب، وتستتبع كمّ الأفواه من أجل الحيلولة دون خروج المواطنين/ات للتّعبير عن نقدهم/هنّ وسخطهم/هنّ للحكّام وللممارسة السّياسيّة الزّائفة في لبنان.

ما شهده لبنان من اعتقالاتٍ تعسّفيّةٍ واستدعاءاتٍ لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة بسبب منشوراتٍ ومقالاتٍ وفبركاتٍ لملفّاتٍ عديدةٍ، خير دليلٍ على ما نقول. مضافةٌ إلى ذلك الهجمات المتكرّرة لمناصري أحزاب السّلطة وتكسيرهم للخيم وتهديداتهم المستمرّة، والّتي لم يكن من قدرةٍ لمؤسّسات الدّولة الأمنيّة الوقوف في وجهها أو لعلّها كانت متواطئةً معها. دون أن ننسى بطش القوى الأمنيّة لعيون ثوّارنا الّتي انطفأت برصاصات “خزمتشيّة” الزّعماء.

يمارس العنف الحاصل في لبنان بحقّ الكاتب وثكل من أيّد 17 تشرين بالكلمة والفعل ممّن خرجوا/خرجنَ منتفضين/ات في وجه المنظومات الحاكمة من قبل ثقافةٍ مجتمعيّةٍ مناطقيّةٍ طائفيّةٍ شيّدتها الأحزاب، أو ما تصفه الأحزاب بأنّها ردّات فعلٍ من “الأهالي”. وبالتّالي، يصبح الصّراع بين مواطنين/ات لا دخل للدّولة بهم/هنّ، وبذلك تتملّص من مسؤوليّاتها.

ولا يكاد يذكّر عنف الدّولة ومؤسّساتها الأمنيّة بالعنف الحاصل من قبل الأحزاب السّلطويّة في مناطقها. فنحن أمام شكلين من العنف: العنف الرّسميّ المؤسّساتيّ وعنف الأهالي “العفويّ”. ويا للمفارقة! إنّ عنف الأهالي العفويّ إنّما يجد سنده دومًا لدى أحزاب السّلطة الحاكمة في لبنان، وبذلك تغيب المحاسبة، كما في قضيّة “طفّوا قدّام نبيه برّي، وضوّوا بيوت النّاس.”

كما تتجلّى ظاهرةٌ أخرى فيما انتشر عبر السّوشيال ميديا من “بعد السّحسوح” و”الرّاينجر على راسك” و”البوط أشرف منك” و “الإنفوي ناطرك تحت البيت” و”حقّك رصاصة”. وعادةً ما تكون استخداماتها ساخرةً ومثيرةً للضّحك، لكنّها تحمل في طيّاتها عنفًا مبطّنًا منتشرًا يثير الخوف والرّعب دون ممارسته الفعليّة، لكنّ إمكانيّة تحقّقه إنّما لا يمكن التّغاضي عن مضامينها.

هناك حربٌ عنيفةٌ غير مباشرةٍ بدأت أحزاب السّلطة بخوضها ضدّ كلّ من يعترض على نهجها الفاسد. لذا، لم يعد من الممكن أن نسمح بأن تتلاشى الدّيمقراطيّة في لبنان، ولو بشكلها الهجين، عبر ضرب كلّ حركات الانتفاض والاحتجاج ونشر ثقافة التّرهيب.

كذلك، فاضطرار الكاتب إلى التّستّر أو الوقوف على الحياد هو كذلك نوعٌ من الاضطهاد، تعود أسبابه إلى الخوف المتجذّر في الممارسة السّياسيّة الكيديّة وانعكاساتها على الجماعات الأهليّة في لبنان. إنّه حيادٌ ناتجٌ عن سياسة العصا والجزرة. لكنّنا نعلنها بوضوحٍ: كلّ حيادٍ هو خداعٌ ويصبّ في نهاية الأمر في مصلحة قوى القمع والقهر الّتي بات/ت اللّبنانيّون/ات يعرفون/يعرفنَ أشكالها. وكلّ دعوةٍ إلى الحياد هي تخلٍّ عن الحرّيّة وتأييدٌ لخنقها. وعلى الرّغم من المعرفة المسبقة بعواقب المواقف الّتي يتّخذها الكاتب في لبنان، إلّا أنّه لم يعد بالإمكان الوقوف على الحياد بين الخروف المذبوح والجزّار.