بيروت تسألكم: ماذا أنتم فاعلون؟

بيروت تسألكم: ماذا أنتم فاعلون؟

تصوير حسين بيضون

 نصري الصّايغ

هل بوسعنا تغيير البوصلة ؟ الهاوية في كلّ الاتّجاهات، من خلفنا من قدامنا من يميننا ويسارنا. من فوقنا و من تحتنا. كم هو عبقريّ ومجرم هذا الّذي صنع لنا بلادًا تنتمي حتمًا إلى الهاوية! هل نستطيع الرّجوع لمراجعة انتمائنا ؟ هل نستطيع البحث عن أيّ شيء غير الدّم؟ الدّم صناعة قنّاصة يسفكون بلادًا وناسًا وشعبًا، بلدًا معمّدًا بالدّم، دم لا يجفّ أبدًا.

ليست هذه الكلمات مرثاة. الحزن ينام معنا، يتسلّل إلى أحلامنا، ينسلّ إلى أنفاسنا… الّذين سفكوا بيروت، يتجرّأون الآن على مسح جراحنا بأوراق الكلينكس والدّواء الأحمر. الّذين مشوا على جثثنا ونحن أحياء منذ زمن، يمشون الآن على جراحنا، يرسمون لنا أفقًا من ظلام، يأسروننا في حسرة الدّخان. ولم يتبقّ لنا غير حناجرنا لنصرخ بالآخ، ونتلفّظ بكلمات مصابة بالدّم. 

قتلة. قتلة. قتلة هؤلاء. يتاجرون بالجثث، وعلى موتنا يقترعون ويدبجون مقالات وأقوالًا كأنّ شيئًا لم يكن ، أو كأنّ براءتهم مكفولة، لأنّ زبائن التّبعيّة يمسحون بجباههم أحذية القتلة ويفتحون لهم الطّريق إلى مزيد من المنصّات السّياسيّة.

بيروت، أوسع مدينة في العالم اليوم، دمها في كلّ ناحية من نواحي القلب. بيروت، هذه بيروتنا، تستحقّ أن نقف على أطلالها مستعينين بشعر سحيق حديث: “قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل”، نبكي بكبرياء، أطفالًا ونساءً ورجالًا وعمّالًا وأحياء، لأنّنا ربّما نحن الأحياء الوحيدون.

الّذين يصرّون على ابتكار الأمل، الأمل وجهٌ آخر للألم. نحن الألم البنّاء، في مآقينا صراخ دم، في قلوبنا استغاثة دم. فلنبتكر حياةً جديدةً مضادّةً للموت والقتل. فلنصدّ  القتلة عن ممارسة زناهم السّياسيّ بكلّ أشكاله وتنوّعاته… هذه قلوبهم تكلّست، حثالة بشر بقامة حذاء قذر. لذا، لا حوار مع هؤلاء. الغضب لغة مناسبة ، فلغة الغضب لا تتألّف من كلمات بل من لكمات. فارفعوا قبضاتكم عاليًا ولنكن سادة اللكمات. 

يوصينا الجبناء: إنّكم تقارعون المستحيل، صح. المستحيل اللّبنانيّ أصيل، معمّر، متجذّر، مبارك، مؤيّد، مطيّف، مرتهن، قويّ، سميك، روّاده وأتباعه بعدد الذّباب. من يقوى على طّغمة متناسلة منذ مئة عام؟؟ من كان قبلنا، رفع قبضاته وسلاحه وانتهى منحورًا أو منتحرًا، فهل هذا قدرنا؟ قد نعم وقد لا. حظّنا في هذه الدّنيا ما قاله محمود درويش: “إذا متَ قبلك، أوصيك بالمستحيل.” والمستحيل اللّبنانيّ بعيد جدًّا، على بعد قرن تقريبًا، عمر هذا العذاب وهذا الفقدان، مئة عام. من يوم تأسّس كيان مطوّب للطّوائف، تغيّر العالم مرارًا. اشتعلت حروب في كلّ مكان، حروب  كاسرة أو طاحنة ودوليّة. تغيّر العالم مرارًا، إلّا هذا الكيان الآسر، أعمدته المتينة في خرسانات  طائفيّة وإقطاعيّة و”ثقافيّة” رثّة، رهنت وجودها لقوى مختلفة متناقضة. مئة عام من عمر لبنان، بل مئة عام من قصف أعمار وأحلام وجماليّات وطموحات اللّبنانيّين واللّبنانيّات. هذا الكيان، على ما برهن، هو أقوى من كلّ القوى. إنّه سيّد الثّبات، الإقامة فيه كمواطنين مستحيل، نحبّه كثيرًا ولكنّه يكرهنا، ويُكرهنا على الرّحيل. ونتباهى بأعداد الملايين من اللّبنانيّين الموزّعين على القارّات الخمس.

بيروت، أمّنا جميعًا، أمّ البلدات والقرى والمدن الأخرى، قتلت. قتلتها يرثون رمادها والفينيق. لم ييأسوا. عبسوا قليلًا، ثمّ فركوا راحاتهم بأصابعهم واستعدّوا للمنازلة. أوّل ضحاياهم ، حكومة هم أنجبوها معطوبةً كي لا تكون بديلًا، ولا عليلًا. ها هم اليوم، كما كانوا بالأمس، يلبسون أزياء “أمّ الصّبيّ”، منهم الولادة والعمادة والصّلاة، ولهم المال الّذي سيتدفّق لمساعدة البؤساء. لم يتزحزح مكان إقامتهم المتّسع لشهواتهم واغتصابهم. لا يعوّل على واحد منهم أو من زبائنهم. إنّهم آلهة الفساد والشّطارة، الكذب والتّبدّل، طالما أنّهم لا يخشون الدّم، الدّم عملتهم السّائلة والأجساد أرصدتهم وغريب أنّهم لا يخافون على مستقبلهم أبدًا. صكوك التّبعيّة ضمانة استمرارهم، لا يخشون إلّا إذا اصطفّت أجساد وسواعد وأقدام، وقرّرت الزّحف إلى قلب مواقعهم. لكنّ هذا الحلم لم يتحقّّق بعد، فهل يتحقّق في مراجعة لمسار الثّورة؟ يبدو أنّ طبقة المجرمين غير خائفة بالمرّة. اندفاعة الثّورة في 17 تشرين أخافتهم كثيرًا، ما بعد ذلك ما عادوا يخافون. إنّهم اليوم، وبرغم الفجيعة الباهظة، يتقدّمون بأقدام ثابتة، ليعيدوا السّلطة، كلّ السّلطة، إلى قبضاتهم، مؤيّدين بدعم دوليّ يرعاهم منذ زمان.

غد الطّغمة مضمون. هؤلاء المختلفون متّفقون جدًّا. إنّهم كزنادقة الملاحم، بكلّ لون يتلوّنون. إنّهم كلّ الهويّات، باستثناء الهويّة اللّبنانيّة. إنّهم غرب وشرق وشمال. إنّهم أميركا وإيران وسوريا والسّعوديّة، وعبد النّاصر سابقا وكلّ قويّ سخيّ. إنّهم أتباع أذكياء، لقادة أغبياء. كلّ التّحوّلات لم تحرّك ساكنًا في حلقة حكّام الأمر الواقع. بيروت الّتي قتلت، تسأل عن الثّوّار، لقد تأخّر ربيع لبنان كثيرًا.

إنّنا في مدار الأسئلة، أسئلة عنّا نحن، أسئلة عمّا سنفعل. أسئلة عن زمن  الزّحف المديد، الهادف، الذّكيّ، المتّحد شعارًا ونظامًا وغايةً وأسلوبًا.

الأعداء متضامنون جدًّا، إنّهم مختلفون ولكن متّفقون. لا يعوّل على من يحرد. البديل موجود، ألّا يلاحظ أنّ كلّ طائفة منقسمة إلى اثنين، يتّفقان ويختلفان… ليس هذا همّنا، همّنا أن نعرف من نحن.

أيّها الثّوّار، من أنتم؟ هل أنتم موحّدون أم ما زلتم مختلفين على جنس الملائكة. المنطق العمليّ يسألكم: متى تسيرون معًا، لكسب المعركة بالنّقاط أوّلًا ثمّ بالضّربة القاضية فيما بعد. التّشتّت ضياع  للجهد وعبث مؤلم. المعركة بحاجة إليكم، بصيغة الجمع المتعدّد، والهدف المتوحّد؛ وإلّا حرام عليكم أن تكونوا ضحيّةً بلا إنجاز.

يا أصحابي الأحبّاء، لقد فرّطنا كثيرًا في الكلام والخلاف. لذا، ننكسر كزجاج أمام عصفهم السّياسيّ.

أخيرًا، نسيت أن أقول أنّني متشائك جدًّا، أي في ذروة الشّكّ. لا أشكّ أبدًا بقوّة الطّغمة المتوحّشة والدّمويّة، إنّما أشكّ بنوايا طيّبة، تفضّل أن تعيش فرادى. كم عدد التّجمّعات؟ كم عدد الاختلافات؟ إذا لن نصير اثنين أو ثلاثة، على الأكثر فعبثًا، اختلفوا على الكثير. ضعوها جانبًا الخلافات. توحّدوا حول المسيرة الّتي تستهدف التّغيير.

أخيرًا مرّةً أخرى، إنّ قبضةً صغيرةً من القوّة خيرٌ من ألف كلمة وألف موقف. القوّة هي القول الفصل. لو لم تكن طغمة  الفساد قويّةً، لكان الانفجار الرّهيب قد أحرقهم جميعًا. لو لم نكن نحن الكثيرين  واحدًا على الأقلّ أو ثلاثًا على الأكثر، فلا رهان على لبنان آخر. ولنرقد في أسرّتنا مع كوابيس بيروت، وما تبقّى من لبنان، جغرافيًّا وإنسانيًّا.

عذرًا على هذه الكتابة، فإنّني مبعثرٌ بين ألم وأمل. يغلبني الألم، وأنادي الأوّل من عمق أعماقي. حتّى الآن، لم يصلني صوته. لذا كونوا الأمل، وسنمشي معكم نحو النّصر.