١٧ تشرين كانت كلمةً | بادية فحص

١٧ تشرين كانت كلمةً | بادية فحص

تصوير نبيل اسماعيل

بادية فحص

في قاموس البشريّة، وردت جمل وعبارات وصرخات غيّرت مسار التّاريخ، أسقطت عروشًا ورفعت أخرى، أهلكت ملوكًا واستخلفت آخرين. وهي لشدّة كثافتها الدّلاليّة، صادرت وقائع الأحداث الّتي تلتها، وفاقتها شهرةً. وما جعلها تستمرّ وتظلّ محافظةً على نضارتها، هو إنسانيّة الحدث الّذي قامت عليه، وتراكم قيمته المعنويّة كلّما مرّ عليه الزّمان.  

كمثال ينطبق على المطروح أعلاه: صرخة “وامعتصماه” الّتي أطلقتها امرأة تمّ الاعتداء عليها في عموريّة، فاستدعت تحريك جيش جرار من سامراء عاصمة العبّاسيّين آنذاك، لنجدتها. ما لبثت هذه الصّرخة أن أصبحت كنايةً عن استغاثة، يطلقها فرد أو جماعة، في أيّ زمان ومكان، أملًا بنجدة ما. 

ومنها أيضًا، عبارة “فليأكلوا البسكويت” المنسوبة للملكة ماري أنطوانيت، الّتي كانت كفيلةً بإشعال شرارة الثّورة الفرنسيّة وسقوط الاستبداد الملكيّ، والّتي غالبًا ما تستخدم في زمننا الحاليّ وفي بلادنا للتّدليل على زوجات السّياسيّين اللّواتي جعلهنّ التّرف والبذخ والرّفاهيّة يتنكّرن لوجود الفقراء وينكرنه، فرحن يمارسن ضدّهم عنفًا اقتصاديًّا وغذائيًّا واجتماعيًّا. 

لانتفاضة 17 تشرين العظيمة إبداعاتها في هذا المجال؛ فقد حسمت قبل انطلاق بازار التحقيقات المحلية والدولية، بخصوص تفجير بيروت في 4 آب، طبيعة القصاص الثوري، بحق كل من تآمر على مدينتنا وأهلها، بإطلاقها عبارة “علقوا المشانق”، في ساحة الشهداء. 

قبل هذا، كانت قد تفرّدت في إطلاق العبارات والجمل والصّرخات، الّتي تتضمّن إشارات سياسيّة لا لبس فيها، إضافةً إلى القيم الإنسانيّة، الّتي صيغ أغلبها بأسلوب ساخر، كون أن السّخرية هي الطّريق الأقصر لإغضاب المستبدّ واستقطاب الشّارع، ومن أسرع الأساليب الثّوريّة بالوصول إلى الهدف المرجوّ، وأعمقها حفرًا في الذّاكرة.  

ما لا جدال فيه، أنّ تاريخنا المشترك – الّذي سنكتبه يومًا ما كمواطنين ومواطنات فحسب –  سيخلّد هذه الإبداعات وسيوثّقها كما لو أنّها مخطوطات نادرة، وسيحافظ على بريق لحظتها العظيمة وستنتقل من جيل إلى جيل، كشاهد ملك على الفرصة الوحيدة والفريدة واليتيمة الّتي منحها القدر للشعب اللبناني، لكي يضع الحجر الأساس لبناء وطن حقيقيّ.

ولا بدّ هنا من السّؤال: مَن مِن صنّاع ١٧ تشرين لم ينطبع في قلبه ووجدانه مشهد الرّفاق والرّفيقات في السّاحات، يردّدون/يردّدن هتاف الهيلا هو، بكلّ تنويعاته؟ ألم يصل أيضًا إلى العالميّة؟ مَن مِن الّذين شهدوا وشاهدوا ١٧ تشرين، بمقدورهم أن ينكروا أنّ “الكسميات”، الّتي حاول تجّار الأخلاقيّات قمعها، قد تحوّلت على ألسنة الغاضبات (قبل الغاضبين) من شتيمة ذكوريّة إلى فعل ثوريّ؟ مَن مِن أزلام السّلطة، قبل رجال الثّورة ونسائها، لم يدرك المعنى السّياسيّ العميق والدّعوة الثّوريّة الواضحة والصّريحة إلى التّغيير والبناء، الكامنة في عبارة “كلّن يعني كلّن”؟    

على مدى تسعة أشهر من عمرها، كانت 17 تشرين ومازالت، تفاجئنا بانفجاراتها الجميلة… هتاف “معلمي” باللّسان الطّرابلسيّ القويم، الّذي ينطق به تميم عبدو والّذي أسقط به هالة القداسة عن الخطابات السّياسيّة الرّنّانة في مدينته وفي كلّ مدينة لبنانيّة، يضاهي  عبارات، مثل: “أينما وجد الظّلم، فذاك هو وطني”، و”الفقر لا يصنع ثورة، إنّما وعي الفقر” و”عندي حلم”. ذاك الهتاف يحمل أهمّيّةً وشأنًا وحسًّا ثوريًّا، كما ينقل حدثًا إنسانيًّا.

كذلك، جملة “اطفوا قدّام بيت نبيه برّي وضوّوا بيوت النّاس” الّتي كتبها الزّميل بشير أبو زيد على صفحته على “فيسبوك”، لما تضمّنته من دلالات سياسيّة بعيدة النّظر، وما سجّلته من اعتراض مدنيّ سلميّ، وما أسّست له من مزاج نقديّ جريء.

ربّما، سنقرأ يومًا ما، وإذا لم يكن، سيقرأ أحفادنا وحفيداتنا، أنّ 17 تشرين لم تكن مجرّد غضب انفلت في الشّوارع فحسب؛ بل كانت كلمةً، كلمةً نطقت بها حناجر لا تعرف السّكوت ولا تعترف به. ففي البدء، كانت الكلمة وستبقى لتترّسخ معانيها في الضّمائر، لتحيي الميّت منها، ليحفظها التّاريخ، لتصنع البدايات الجديدة، ولتبشّر بالآتي الأجمل.