الحقد الرائي

الحقد الرائي

تصوير نبيل اسماعيل

بوناصر الطّفّار

تلجأ أبواق السّلطة أحيانًا كثيرةً إلى وصف الثّوّار بالحاقدين، كما يستعمل عبيد الأحزاب الكلمة نفسها لوصف كلّ من يرفض عبوديّتهم ويسمح لنفسه أن يعارض سّيّدهم، مالك القصر. “هذه أفكار نابعة من حقد أعمى” يقولون، ظنًّا منهم أنّ كلمةً كهذه تهيننا أو تدفعنا نحو مراجعة حساباتنا والعودة إلى الحظيرة. مساكين هؤلاء، يتحدّثون عن “حقدنا” بلطافة بالغة ولا يعرفون حجمه الحقيقيّ ولا أبعاده؛ لكنّهم حين يرونه قريبًا جدًّا وينفجر بدولتهم وحرّاسها، سيعرفون تمامًا حجم ما اقترفته أيديهم طيلة هذه السّنوات… حقدنا الهائل الّذي كبر معنا، صديقنا الّذي نحبّه ويحبّنا، صمّام أمامنا الوحيد في مواجهة هؤلاء الوحوش وحجّتنا الوحيدة كي ننام ونحن نعلم أنّه لدينا ما نستيقظ من أجله صباحًا. 

يعرّف ابن منظور (مؤلّف معجم لسان العرب) الحقد بأنّه “إمساك العداوة في القلب والتّربّص لفرصتها”. أمّا عن سبب تكوّنه، فهو غالبًا ما يكون عدم قدرة الإنسان على ردّ الأذى وفشله المتكرّر بالدّفاع عن نفسه، ما يحفّزه على الاحتفاظ بالكره بين ضلوعه وانتظار اللّحظة المناسبة لتحقيق عدالته بيديه. ياه! ما أحلى عدالتنا حين ننتزعها بأيدينا من قلب الأرض والسّماء ومن الدّولة التي أعلنت عداءها لنا منذ أخذنا أوّل نفس فيها.

يوم ولادتي في السّنوات الأخيرة من الحرب الأهليّة، اضطرّ أبي تقبيل ألف يد للسّماح لأمّي المسلمة بدخول المستشفى المسيحيّة. تعارك هناك مع أمن المستشفى الحزبيّ، مع الأطبّاء والإدارة قبل أن يسرقوه ويبتزّوه علنًا دون أن يملك أيّة حيلة بوجههم كون حياتي وحياة أمّي كانت بين أيديهم، وهم قتلة بالأساس.

هناك، كانت معركتي الأولى في هذه الحرب الممتدّة، منذ أوّل نفَس أخذته. نحن لا نولد في وطن، بل في ساحة معركة بالمعنى المباشر للكلمة. معركة تزرع الحقد في قلوبنا منذ لحظة خروجنا من كسّ أمّنا، وتستمرّ في شحذه وتغذيته حتّى يصل إلى ما هو عليه اليوم من عظمة ورغبة في حرق العالم بما فيه.

كبرت في حيّ عشوائيّ مرميّ على أطراف العاصمة اسمه “الرّويسات”.  حزام بؤس هو عبارة عن أكوام من علب السّردين المتراكمة فوق بعضها والّتي يطلق عليها اصطلاحًا اسم بيوت. كنّا نتشارك بيت العائلة ذا الغرفة الواحدة بمعجزة كالمساجين. درست في مدرسة الصّبيان الرّسميّة ولم أتعلّم سوى الفحولة والخوف من الآخر وكره النّساء. ما إن نبتت أوّل شعرة تحت أنفي، حتّى ظهر معها “الحاج محمود” ودعاني إلى الانضمام لنادي كرة السّلّة الحزبيّ؛ نقطة الانطلاق المثاليّة في رحلة تمتدّ من الملعب إلى سهرات الدّعاء وحمد الله الّذي خلقنا عبيدًا من مذهبه المختار دون كلّ المذاهب والجماعات الأخرى النّجسة، إلى جلسات غسل الدّماغ إلى دورات التّمرين على استعمال السّلاح الخفيف، ثمّ المناورات الحيّة بالسّلاح الحيّ ثمّ ساحات القتال في الجبهات فالتّوابيت. نجوت من هذه الرّحلة بأعجوبة، محمّلًا برواسبها الّتي استغرقني الأمر سنوات كثيرة للتّخلّص منها. هنا، واجهت مرارة الأمر الواقع، كيف تبني لك مستقبلًا في لبنان خارج حذاء زعيم طائفتك؟ لي في تجربة والدي أسوة.

أتمّ أبي اليوم الإثنين والسّبعين من عمره، وبالرّغم من ذلك ما زال يستيقظ كلّ يوم في تمام السّاعة السّادسة صباحًا للذّهاب إلى عمله المضني الممتدّ لأكثر من عشر ساعات يوميًّا. لا يذهب أبي إلى عمله في هذا العمر لأنّه يملّ في بيته أو لأنّه متقاعد يستثمر بوقته، ولا لأنّه جبّار ذو همّة قويّة. يخوض أبي هذه المعاناة ببساطة لأنّه لبنانيّ غير عبد، لأنّ دولتنا القميئة الذّليلة تركته وحيدًا في هذا العمر دون تأمين صحّيّ ولا ضمان شيخوخة ولا تعويض عمل… الحقد كلمة لطيفة جدًّا أمام البركان الّذي يغلي في صدري.

لا يختلف الأمر كثيرًا بالنّسبة إلى أخي الأكبر الّذي يكافح على ثلاث جبهات لتأمين بضع مدّخرات تضمن مستقبل طفليه. سرق المصرف مدّخراته في وضح النّهار، وحين رفع صوته مطالبًا بكدّه وشقاء عمره رماه رجال الأمن خارجًا، لا شبّيحة يدافعون عن أخي ولا خواجات يحصّلون حقوقه. الحقد كلمة لطيفة جدًّا أمام البركان الّذي يغلي في صدر أخي.

لا يختلف الأمر أبدًا عند أختي وأمّي، بل يزداد بؤسًا وقهرًا مع معاناتهما الّتي تعيشانها كنساء مقموعات في هذا القعر من العالم، يرزحن تحت ثقل جبال من الإجحاف والظّلم المُمنهج لتهميشهنّ وتكبيلهنّ بالقواعد الذّكوريّة القاتلة المتنكّرة بلباس الدّين والقانون والعادات المقرفة. يراكم في صدورهنّ غضبًا وحقدًا لا يمكن لنا بأيّ وسيلة أن نفهمهما أو نتخيّلهما كرجال مستفيدين من مزايانا. الحقد كلمة لطيفة جدًّا أمام البركان الّذي يغلي في صدورهنّ.

أمّا أنا، فقد عملت خلال طفولتي في مهن كارثيّة، محاولًا تخفيف الأثقال. تمكّنت من دخول الجامعة اللّبنانيّة بعد نجاحي في امتحان الدّخول أوّلًا، ثمّ نجاتي بالصّدفة من كذب جماعة التّعبئة التّربويّة الذين يخبرون  النّاجحين غير المتحزّبين بأنّهم رسبوا لاستبدالهم بمن رسبوا من إخوانهم المجاهدين. بدأ حقدي على جامعتي قبل أن تبدأ حتّى. جامعة لبنانيّة تتحوّل إلى حسينيّة تارةً، وإلى معرض حربيّ تارةً أخرى، وقد يتحوّل حرمها أحيانًا إلى ساحة اشتباك مسلّح تنجو منه بأعجوبة. نجوت من هذا أيضًا مراقبًا حقدي الّذي يكبر في صدري، متفاهمًا معه، متأمّلًا بغدٍ أفضل أعيشه بعد التّخرّج.  وبعد التخرّج كانت صدمتي: إنّ شهادات العالم مجتمعةً لا تساوي في لبنان منديلًا متّسخًا في جيب أحد مرافقي نبيه برّي وحرّاسه. لا واسطة لك في هذا البلد لا حياة لك في هذا البلد. ليس لك سوى الحقد يا صاحبي، تراكمه ويراكمك.

تظاهرنا حين سنحت لنا الفرصة، ثرنا وملأنا الشّوارع مطالبين بأبسط حقوقنا.  أرسل النظام في كلّ مرّة مرتزقته وثيرانه الهائجة لضربنا وسحلنا في الشّوارع. فقأ عيوننا وأطلق الرّصاص الحيّ علينا وبالهروات كسّر جماجمنا.. ونحن نتحمّل، نقول لحقدنا: اصبر عليهم.

ملأ الزّبل شوارع لبنان ودوائره الرّسميّة. سرقت المصارف ودائع الفقراء ورفعت أسوار حديديّة بوجههم. انهار سعر صرف اللّيرة سبعة أضعاف أمام الدّولار. هرّب العرصات ثرواتهم إلى الخارج وازداد ثراؤهم سبعة أَضعاف. ضرب شبّيحة الأحزاب المتظاهرين والمتظاهرات وأحرقوا خيام اعتصامهم وكسّروا منصّاتهم وسيّاراتهم، ثمّ أردوهم قتلى حين لم ينفع الضّرب دون أن يتعرّض أيّ نذل منهم للمحاسبة. شكّلوا حكومة يرأسها نرجسيّ معتوه يعترف وزير داخليّته ببرود أنّه حين قتل شخصين بيديه، نال حماية رئيس الجمهوريّة الحاليّ وحصانته. تركوا النّاس لمصيرهم دون أيّ دعم في مواجهة وباء عالميّ قاتل، رقص وزير الصّحّة بسيفه فوق جثث ضحاياه… فعلوا كلّ هذا وأكثر  فيما كنّا نراقب أفعالهم بحقدٍ ونستجدي الصّبر، حتّى وقعت الطامّة الكبرى وانفجر مستودع فسادهم مخلّفًا ما يقارب مئتي قتيل وقتيلة ومفقود ومفقودة وآلاف الجرحى… خرجت الدّولة يومها بكلّ ممثّليها دون استثناء للقول “لست أنا، لم أكن أعلم!” بينما خرج أبي السّبعينيّ في تمام السّاعة السّادسة صباحًا إلى عمله في الأشرفيّة كالمعتاد، وصوت الانفجار ما يزال يهدر في رأسه الأشيب… الحقد كلمة لطيفة جدًّا أمام البركان الّذي يغلي في صدر أبي.

أنتم لا تعلمون من فجّر المرفأ، لكنّنا نعلم يا عرصات، وإن تُهنا لثانية سنستدلّ ببوصلة حقدنا عليكم. طاردتم النّاس في الشّوارع وحرمتموهم العمل والأمن، وأجبرتموهم على التزام منازلهم دون أيّ دعم في مكافحة الوباء المستجدّ. وحين جلسوا في غرفهم البائسة مكسورين، أحرقتم لحمهم بنيترات الأمونيوم. توّجتم المجزرة بطمأنة أهالي الضّحايا أنّه لن يحدث أيّ تغيير في شكل الحياة القادمة، وأنّ ما قبل الانفجار سيبقى كما بعده، بلد يحكمه السّفّاحون.

انجرحت مشاعر مجلس القتلة من شتم رّئيس نائم لم يوقظه صوت انفجار سُمع في قبرص، ولم تزعجه صور الأشلاء المحروقة المتناثرة مع حبوب القمح على أرض المرفأ. امتعضت القوى الأمنيّة من وجود متطوّعين ومتطوّعات من الجنسيّات السّوريّة والفلسطينيّة لتنظيف الشّوارع ومساعدة النّاس في تخطّي آثار المجزرة، لكنّ وجود أحذية أمراء الحرب الأهليّة على رقابهم كلّ هذه السّنوات لم يعكّر مزاجهم أو يمنعهم من استكمال ساندويش الطّاووق الّتي كانوا يلتهمونها كالبهائم بينما النّاس غارقة أمامهم بالحزن والدّماء والحقد الهائل.

حاقدون نحن نعم، وهذا أضعف الإيمان. وإن كان الجمل يشتهر عند العرب بأنّه أكثر الحيوانات حقدًا، فسنشتهر نحن في العالم أنّنا أكثر المظلومين حقدًا على من ظلمهم وأشدّهم انتقامًا. إن استفّزت المشانق الكرتونيّة الرمزيّة مشاعر النّاظرين إليها دون أن يرفّ لهم جفن لرؤية الأطراف المبتورة المحترقة لقتلاهم، فلينتظروا الحقد الهائل الآتي، الحقد الأقدس الّذي لن يبقى ولن يذر. وللأمانة، حقدنا ليس حقدًا أعمى كما يقولون، بل هو حقد رائيّ، مبصر ومعاين يعرف ملامح عدوّه وضحكته الخبيثة عن ظهر قلب.