انفجار النّظام في المرفأ

انفجار النّظام في المرفأ

رسم أحمد بيضون

علاء الصايغ

نظام العائلات الحاكمة هذا، يحكمنا بقواعد كتاب “الأمير” لمكياڤيللي ويريدنا أن نواجهه بالمؤسّسات الدّستوريّة.

كتاب الأمير لمكيافيللي هو دراسة في الفقه السّياسيّ أعدّها نيكولو مكيافيللي سنة 1513. يؤيّد النّقّاد النّهضويّون الرّأي القائل بأنّ كتاب الأمير كان نوعًا من كتيّب الإرشادات لفظاعات الطّغيان. النّقاش حول هذه القضيّة لا يزال مفتوحًا، ومن بين الافتراضات توجد أيضًا الانتهازيّة. أراد مكيافيللي استعادة مكانة سياسيّة ذات صلة، ولذلك كان على استعداد لقبول بُعد النّظام الملكيّ، أو أنّ أميره يشكّل نموذجًا عالميًّا لرأس الدّولة، أيًّا كان النّظام سواء ملكيّ أو جمهوريّ.

لبنان ليس مزرعةً! في المزرعة، لكلٍّ مهامه. لكن في لبنان، من ينجز مهامه؟ فليفضح النّظام عن وجهه. لا، نحن لسنا نعيش في ظلّ نظام برلمانيّ ديمقراطيّ دستوريّ. نحن نحيا تحالف العائلات الاحتكاريّة الحاكمة.

هم يحتكرون الاقتصاد وأدواته، ويحدّدون شكله. فلا نظامنا اقتصاديّ حرّ، ولا هو ديمقراطيّ اجتماعيّ. اقتصادنا اقتصاد الزّعيم، فهو المدخل إلى الوظيفة وإلى البقاء فيها. يحتكرون الرّعاية الاجتماعيّة والصّحّيّة، فيغيّبون بذلك البطاقة الصّحّيّة الشّاملة. نظام الرّعاية التّابع للزّعيم هو البطاقة الواسطة نحو المستشفى وإلى القبر. يحتكرون أدوات الدّيمقراطيّة والرّقابة، فيعيّنون القضاة ويعطّلون المؤسّسات الدّستوريّة ويسنّون القوانين الانتخابيّة الّتي تضمن إعادة تدوير السّلطة بين العائلات الحاكمة. يحتكرون أدوات العنف، فلكلّ عائلة حاكمة ميليشيتها وسطوتها على جهاز أمنيّ، كلٌّ حسب حجمه.

النّتيجة الحتميّة الوحيدة لحكم المنظومة هذه، تجسّد في ٤ آب وما تلاه من بوارج. فالطّغاة حلفاء المستعمرين، وما من فرق بين مستعمِر أشقر وآخر أسمر. هذا النّظام انفجر في المرفأ بفساده وتبعيّته للخارج وطائفيّته المقيتة وخبث زعمائه.

لنعتبر أنّ ٤ آب لم يحدث، ف ٨ آب كان إجرامًا إذ أطلقت شرطة المجلس الرّصاص الحيّ والرّصاص المطّاطيّ على النّاس. فالأنظمة القمعيّة في العالم لا تعرف عن التّعاطف ولا عن الإنسانيّة، لذلك هم مسؤولون عن إجرامهم في ٨ آب. والآن، لا يرون ب ٤ آب إلّا فرصة هؤلاء المجرمين، كما قاموا بإعادة الإعمار بعد الحرب الأهليّة وتسوية الطّائف الّتي أوقفت مفاعيلها. ها هم اليوم يواجهون إرادة الدّول الّتي تريد تقديم المساعدات والّتي لا تثق بأن تعطيهم فلسًا واحدًا، لأنّهم سيّلوا من أموال بعد الحرب الأهليّة ما يكفي لبناء عشر دول بمساحة وعدد سكّان ومقوّمات لبنان. وها هو لبنان اليوم، رغم مئات المليارات، لا يملك من مقوّمات العيش الكريم شيئًا. بالعلامة، تكّ “الدّجنتار” فيما أنا أكتب هذه السّطور. اليوم، يريدون أن يشحذوا على ظهر آلام النّاس وأوجاعهم وخساراتهم الّتي تسبّبوا بها، ليراكموها في جيوبهم وفي حساباتهم في الخارج وفي جيوب المستزلمين الّذين يصدّقون أكاذيب الوفاء ويقدّمون الطّاعة والولاء أو بعض المستزلمين الّذين لا يصدّقون هذه الأكاذيب لكنّهم مستفيدون.

ما السّبيل إلى المواجهة؟

لنبدأ بالتّعاطف، فأولئك الّذين لا يزالون تحت عباءة الزّعيم ليسوا غنمًا، وهو يخبرهم أنّهم حماة الحمى والأبطال المدافعون عن أهلهم، فيما هو يصرف ولاء ووفاء هؤلاء مكتسبات شخصيّة وماليّة وسلطويّة تزيد من سطوته وقوّته عليهم هم قبل غيرهم. ويريدون أيضًا أن يحتكروا غضبهم الّذي يشبه غضبنا ليوجّهوه ضدّنا، فتصبح المعركة ناسًا بوجه النّاس وتنجو منظومة ال١٪ الحاكمة المحتكرة للسّلطة والعنف والاقتصاد بارتكاباتها.

فلنجذّر غضبنا لنحاسبهم وندفنهم في حفرة المرفأ تلك، لنعيد بناء البلاد على قواعد وقيم وبنى مختلفة.

ماذا فعلت اليابان بعد هيروشيما؟ أعادت تشكيل النّظام القيميّ والأخلاقيّ لدى النّاس، والّذي تمثّل في إصدار قانون إنشاء مدينة هيروشيما كرمز دائم للسّلام. كان ذلك القانون ثمرة الجهود الحثيثة الّتي بذلها سكّانها.

لا حلول سريعة، ولا يملك أيّ خارج دواءً سحريًّا لنا. فالحلّ من النّاس وللنّاس. لا مفرّ من الآلام لنتجنّب المعاناة الكبرى. سنبقى نعاني ما دمنا نبحث عن الحلول السّريعة وعن العمليّات الجراحيّة التّسوويّة. ماذا أورثنا الطّائف؟ أورثنا نظام فصلٍ عنصريّ، كذلك الّذي ندّعي محاربته والعداء له. أصبحنا نعيش معاني الأضداد والأنداد، وعلى درب العداء ورثنا قيم أعدائنا. المواجهة حتميّةٌ وليس التّغيير، لكنّ هذا الأخير سوف يصبح حتميًّا متى توفّرت بناه وشروطه.

في السّياسة، فلنقدّم المنتج السّياسيّ المناسب لكلّ لحظة سياسيّة. فلننتظم قاعديًّا وقطاعيًّا على مستوى المناطق والنّقابات والتّنظيمات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة البديلة. ولنقدّم طرحًا ينسجم مع طموحات النّاس ويعبّر عن المسؤوليّة السّياسيّة في هذه اللّحظة، لننتج سلطةً بديلةً انتقاليّةً تقوم بوضع أسس بناء دولة تحمي مصالح النّاس وتبني علاقات نديّة ومتوازنة مع الخارج، فيتمكّنون عبرها من تقرير مصيرهم وتحقيق إرادتهم. وحدها، حكومة مستقلّة، تأخذ مشروعيّتها من النّاس، قادرةٌ على بناء هذه الدّولة.

ولننكبّ إلى البناء؛ إلى البناء القاعديّ من تحت إلى فوق؛ إلى البناء الاقتصاديّ والاجتماعيّ التّعاونيّ من النّاس وإلى النّاس؛ إلى البناء التّحرّريّ من الدّاخل إلى الخارج. لا نملك وقتًا لليأس ولا حتّى ترف الإحباط والاكتئاب. نتعب نعم! ولكن، لن نهزم! فهذه المعركة سوف تنتهي بهزيمة الطّغاة. الأمل بقوّة النّاس الجماعيّة وبتضامن النّاس وتكاتفهم/هنّ. فلنفكّر بالتّالي وأكثر:

– عملة بديلة و/أو بدائل عن العملة؛

– أسواق تبادل محلّيّة هدفها المقايضة والتّبادل التّجاريّ الخدماتيّ؛

– تعاونيّات إنتاجيّة في الزّراعة والصّناعة والتّجارة والخدمات؛

– بدائل تعليميّة لأنّ معاناة القطاع التّربويّ ستزداد؛

– بدائل محلّيّة للخدمات الصّحّيّة وإنشاء بنى تضامنيّة من أطبّاء/طبيبات وممرّضين/ات.

يقولون: حاقدون! ونحن يملأ قلوبنا الحُبّ الخالص والتّعاطف، وإن حقدنا فإنّ حقدنا نقيض أحقادكم لم يبنِ نظامًا ولا تنظيمات على الأحقاد التّاريخيّة والطّائفيّة والمذهبيّة غير نظامكم المسخ هذا وتنظيماتكم الإقصائيّة الحاقدة.

لنا هذا الحبّ ولنا الحياة ولنا فيها قلوبنا وسع الكون ولنا تعاطف وعاطفة، لن تقوى آلات اليأس الّتي صنعتموها أن تحوّلها حقدًا. ربّما نحن أكثر المظلومين والمظلومات حُبًّا. نحن النّاس، لن ينقذنا إلّا تضامننا وتكاتفنا وتعاطفنا، وأنتم بحقدكم ومشاريعكم الحاقدة سوف تفنَون.