محكمة الحريري: خيبة التّفكير الرّغبويّ‎

محكمة الحريري: خيبة التّفكير الرّغبويّ‎

تصوير محمد فليط

ربيع بركات

السّؤال يتمحور حول كيفيّة الضّغط في اتّجاه إصلاح النّظام القضائيّ في لبنان، كواحد من العناوين الرّئيسيّة للتّغيير المدفوع بضغط الشّارع، بدلًا من إعادة إنتاج تجربة وُظّفت لإنتاج مفاعيل سياسيّة، وظلّت مفصولةً عن قضاء محلّيّ لا يمكن تخيّل مستقبل أفضل دون إصلاحه.

لم تكُن المؤسّسات الأمنيّة والقضائيّة في لبنان في ظلّ الوصاية السّوريّة مؤهّلةً للكشف عن ملابسات اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. سبق الحريري اغتيالُ كثيرين، لا خلال الحرب الأهليّة فحسب، بل مع مقدّمات السّلم الأهليّ كذلك. قُتل أوّل رئيس للجمهوريّة اللّبنانيّة بعد “اتّفاق الطّائف” رينيه معوّض في تشرين الثّاني/نوفمبر 1989 بعد 17 يومًا من انتخابه، ومرّ اغتياله مرور الكرام. وفي مرحلة السّلم الأهليّ، كانت البلاد ممسوكةً أمنيًّا، إلى أن راح النّظام السّوريّ “ينظّف” نفسه من الحرس القديم المنافس للأسد الابن وفريقه، بدءًا من نائب الرّئيس عبد الحليم خدام وصولًا إلى رئيس شعبة الاستخبارات السّوريّة في لبنان غازي كنعان. وجاءت أولى مؤشّرات الاستشراس حيال خصوم النّظام المستجدّين في بيروت، أي حلفائه السّابقين المرتبطين بحرسه القديم، مع محاولة اغتيال الوزير السّابق المحسوب على وليد جنبلاط مروان حمادة في تشرين الأوّل/أكتوبر 2004. حصل ذلك في ظلّ مناخ إقليميّ مضطرب، عنوانه غزو العراق والسّعي الأميركيّ الحثيث والمعلن لإنتاج “هندسة اجتماعيّة” في المنطقة برعاية المحافظين الجدد، تُسقط أحجار الدّومينو من بغداد شرقًا نحو طهران وغربًا في اتّجاه دمشق.

في هذه الظّروف، راح انزياح رفيق الحريري عن تموضعه السّابق (وقبله وليد جنبلاط) يكتمل، بعدما بدا أنّ عواصم المنطقة “الممانعة” ستسقط تباعًا، وإثر اجتياح إسرائيل الضّفّة الغربيّة وتآكل السّلطة الفلسطينيّة ومعها أشكال “التّسوية” السّابقة مع إسرائيل، وبعد رفع المظلّة السّعوديّة عن الوصاية السّوريّة على لبنان. اغتيل الحريري كذلك في لحظة كان “حزب الله” يسعى خلالها إلى تعزيز تواصله معه برغم الشّقاق، وفي ظلّ لقاءات سرّيّة متكرّرة جمعت نصرالله بالحريري لإدارة الخلاف، بترتيب من مستشار الحريري آنذاك مصطفى ناصر.

بعد 9 سنوات على تأسيس المحكمة الخاصّة بلبنان و15 سنة على انطلاق التّحقيقات في اغتيال الحريري وتكلفة بلغت نحو مليار دولار، صدر قرار هزيل أدين فيه متّهم واحد، فيما بقي ـ بحسب ما يلفت الخبير الجنائيّ عمر نشابه ـ الانتحاريُّ مجهولًا، وكذلك مشترو السّيارة المستخدمة في التّفحير، ومشترو الهواتف المستخدمة للتّنسيق، وأعضاء شبكة المراقبة، والعقل المدبّر، والمشاركون في التّخطيط للاغتيال.

غير أنّ الثّابت اليوم أنّ المحكمة الخاصّة بلبنان ـ برغم أنّها أبقت على خيط قابل للاستثمار يتّصل بمتّهم واحد ذي صلة بـ”حزب الله” ـ قتلت التّفكير الرّغبويّ عبر قرارها الّذي أصدرته، بعدما وُجّهت الاتّهامات السّابقة خلال السّنوات الـ15 الأخيرة ضدّ “النّظام الأمنيّ اللّبنانيّ ـ السّوريّ المشترك” قبل أن ترسو على “حزب الله”، وبعد شهود تنوّعت إفاداتهم وثبت تلفيقها بالتّكافل مع سياسيّين لبنانيّين راغبين بالضّغط على الحزب لتثبيت سلطتهم بعد خروج النّظام السّوريّ، أي حليف الحزب، وحليفهم السّابق، والمتّهم الأوّل.

ما سيبقى اليوم بعد موت التّفكير الرّغبويّ أو الـ wishful thinking هذا هو مظلوميّة، وأكثر من سرديّة مثقوبة، والكثير من القصص السّورياليّة الّتي تراكمت على صفحات الجرائد وشاشات التّلفزيون على مدى 15 عامًا.

لكن ما همّ. فقضيّة الحريري لم تكُن جنائيّة أساسًا. والتّفكير الرّغبويّ بطبيعته سياسيٌّ في المسائل الكبرى، وهو دائمًا قابلٌ للتّقمّص بعد موته، وقادرٌ على اتّخاذ أشكال مختلفة تبعًا لتبدّل المراحل واللّاعبين والأدوار.

المشكلة أنّ هذا النّمط من التّفكير لا يشخّص الواقع بقصد إعادة صياغة علاقات القوّة فيه أو تجاوزها، بل ينسج أوهامًا حول أقصر الطّرق لـ”التّغيير”. وهو بذلك أفيونٌ مكمّل لقيود الأقوياء أو السّلطات أو الأنظمة، تتداخل فيه الكثير من المصالح الخاصّة الّتي تؤطّرها انتماءات قبليّة طائفيّة أو مؤسّسات نفعيّة حديثة (منظّمات مجتمع مدنيّ وما شاكل ـ من دون تعميم طبعًا).

اليوم تتكرّر معضلة مشابهة مع تعدّد خيارات التّعاطي مع انفجار مرفأ بيروت، علمًا أنّ السّؤال في هذا السّياق يتمحور، أكثر من أيّ وقت مضى، حول كيفيّة الاتّجاه إلى إصلاح النّظام القضائيّ في لبنان، كأحد العناوين الرّئيسيّة للتّغيير المدفوع بضغط الشّارع، بدلًا من إعادة إنتاج تجربة صُرفت خلالها مئات ملايين الدّولارات على محكمة وُظّفت لإنتاج مفاعيل سياسيّة، وظلّت مفصولة عن قضاء محلّيّ لا يمكن تخيّل مستقبل لبنانيّ أفضل من دون إصلاحه.