من هو العدوّ الطّبقيّ؟

من هو العدوّ الطّبقيّ؟

تصوير طارق قبلاوي

(كتب هذا المقال في وقت سابق لتفجير بيروت)

عبدالله ميشال غطّاس

إذا ما نظرنا الى انتفاضة ١٧ أكتوبر، لوجدنا أنّ  المسافة بين الأحداث وعقلها تتّسِع تدريجيًّا؛ فإن كانت الظّروف الموضوعيّة القاهرة ضروريّةً لاندلاع التّمرّد والانتفاض، فهي غير كافية  لتثوير الانتفاض، ووضعه داخل مسار تاريخيّ لتحوّلات مجتمعيّة معيّنة. هذا ما يحتاج إلى عقل للأحداث، وعقل الصّيرورة التّاريخيّة الّتي تحكمها، وعقل التّناقضات الّتي فرضت ظهور الخلل البنيويّ على هذه الشّاكلة. قد تتمدّد هذه المسافات نحو انزلاقات إيديولوجيّة؛ سواء أكانت قوميّة أم نيو-ليبراليّة أم فوضويّة… لكنّها، وإن حصلت، فهي لا تعبّر عن نفسها إلّا بطريقة لاواعية وغير مباشرة. فمن في الانتفاضة يُزخّر الجهود ويركّز الأهداف على المقارعة الاقتصاديّة للنّظام، وكأنّ المعركة هي معركة الأدهى في علم الاقتصاد، أو معركة الحلّ الاقتصاديّ الأمثل، وكأنّ الأزمة البنيويّة هي أزمة اقتصاديّة في جوهرها، يكون عن وعي أم لا، قد أخطأ في تقدير التّناقض المسيطر في البنية الاجتماعيّة اللّبنانيّة، ألا وهو التّناقض السّياسيّ. وسوف يجرّه هذا الخطأ في التّقدير إلى خطأ في التّكتيك، ومنه إلى خطأ في تحديد العدوّ الطّبقيّ للطّبقات الُمستغَلّة. هكذا، يمكننا القول أنّ الإسراع في استعمال مفهوم الأوليغارشيّة بمعناها الكلاسيكيّ (أي  حكم مجموعة معيّنة، أو حكم أقلّيّة معيّنة وسيطرتها على بلد أو منظومة)، قد ينطبق نسبيًّا على واقع الصّراع الطّبقيّ في سوريا، ولا ينطبق بشكل كامل على الواقع اللّبنانيّ.

فعلى الرّغم من المساحة الجغرافيّة الصّغيرة، والقوّة الاقتصاديّة المتواضعة، تعقّدت السّيطرة الطّبقيّة في المجتمع اللّبنانيّ، ولم تنحصر – إلّا في فترات تاريخيّة قصيرة – بيد مجموعة واحدة متجانسة من الأقلّيّة الحاكمة. لذلك، ولدى ركوننا لمصطلح الأوليغارشيّة، فإنّنا وإن اعتمدناها  لوصف عدوّنا الطّبقيّ فهذا يجب ألّا يكون اعتمادًا ضيّقًا يختزل العدوّ الطّبقيّ بفئة بعينها. فهل يمكن اختصار أعدائنا الطّبقيّين بالمصرفيّين الكبار ومن يؤمّن لهم التّغطية السّياسيّة والأمنيّة؟ هل حقًّا العدوّ الطّبقيّ الوحيد للّبنانيّين يتكثّف في البورجوازيّة المصرفيّة، أو “طبقة” الـ 1% الّتي أرست ومكّنت اقتصاد الرّيع؟ وهل تمتلك حقًّا هذه البورجوازيّة السّيطرة السّياسيّة أم أنّ اقتصاد الرّيع المهيمن هو انعكاس مادّيّ لحاجة التّحالف الطّبقيّ المسيطر لتمويل ذاته وإعادة إنتاج علاقات القوّة المهيمنة؟ 

هكذا، نجد أنّ سبب الأزمة الاقتصاديّة، سياسيّ بالدّرجة الأولى، وما الأوليغارشيا إلّا جزء من تحالف طبقيّ مهيمن وليست وحدها المسؤولة. الفارق هنا بين اختزال العدوّ الطّبقيّ بالأوليغارشيا أم مقاربتها من ضمن بنية التّحالف الطّبقيّ المهيمن ليس لفظيًّا فحسب؛ فعندما نعتمد حصرًا مفهوم الأوليغارشيا، نكون قد تجاهلنا التّباينات بين القوى المهيمنة وتعدّديّة مرجعيّاتها الإمبرياليّة. وبهذا التّجاهل، نكون قد أعمينا أنظارنا عن أزمة الهيمنة الطّبقيّة الّتي يقع بها التّحالف الطّبقيّ المهيمن بحيث أنّ في عقل أزمة الهيمنة الطّبقيّة، تتكشّف أمام المنتفضين والمنتفضات حقيقة التّناقضات الثّانويّة بين أطراف هذا التّحالف. وإن لم نفهم تناقضاتهم الثّانويّة، وإن لم نلعب عليها، وإن لم نوجّهها، فلن نستطيع أن نبني مشروعًا ثوريًّا واقعيًّا للتّحالف الطّبقيّ النّقيض، التّحالف الطّبقيّ للقوى الثّوريّة.

وعندما نحسم هويّة عدوّنا الطّبقيّ على أنّه التّحالف الطّبقيّ المهيمن متشكّلًا من رأسماليّة مصرفيّة تابعة لصندوق النّقد الدّوليّ تشترك مع قوى سياسيّة تحميها حينًا وتقلّم أظافرها أحيانًا، على الرّغم من كونها قد تبدو لنا غير مسؤولة عن أزمة تلك الرّأسماليّة التّابعة، تتعقّد المهمّة الثّوريّة لأنّنا نصبح أمام حقيقة مواجهة كلّ البنيان السّياسيّ المهيمن والمرتبط بالإمبرياليّة وأطرافها وليس بالأوليغارشيّة حصرًا. فهذه القوى، وعبر وجودها في السّيطرة السّياسيّة والجغرافيّة منذ سيطرة النّظام السّوريّ على لبنان حتّى الآن، هي جزء من هذا التّحالف المهيمن، بل قادته في مناسبات معيّنة. هذه القوى السّياسيّة الّتي اعتبرها الكثير من الرّفاق – واهمين – أنّها قوى تحرّر وطنيّ، هي من العقبات الأبرز أمام الثّورة الاجتماعيّة في لبنان. فالتّحرّر الوطنيّ، على الرّغم من وقع لفظه القوميّ، إلّا أنّ ركائزه النّظريّة قد رُسيت ماركسيًّا مع العديد من المفكّرين الشّيوعيّين في فترات الإنتاج النّظريّ في السّتّينيّات والسّبعينيّات. من تلك الرّكائز ينبغي فهم “معيار” الممارسة التّحرّريّة، عسكريّةًَ كانت في مقاومتها أم أيديولوجيّةً أم سياسيّةً، بارتباط قيادتها بالطّبقات العاملة، أو بالتّحالف الطّبقيّ الثّوريّ في البنية الاجتماعيّة المستعمرة. هكذا، يصبح حزب الله – الإطار السّياسيّ الأكثر تنظيمًا وتسلّحًا وحضورًا جماهيريًّا والمتموضع في التّحالف الطّبقيّ المهيمن إلى جانب مروحة من حلفائه الدّاخليّين، ولاريب في تبعيّته السّياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة الأكيدة للنّظام الإيرانيّ – في موقع المركز في هذا التّحالف ويتوجّب على المنتفضين أن يتحمّلوا مسؤوليّاتهم المباشرة عن مستقبل الواقع الأمنيّ، ومستقبل المقاومة الوطنيّة الشّعبيّة، وأن يتحضّروا لها. فهذه القوى تشكّل أبرز قطب للثّورة المضادّة، وهي  لن تقف بأجهزتها الموازية ومنظومتها السّياسيّة مكتوفة الأيدي أمام  مشهد تخلخل الأساسات – أساسات النّظام الطّائفيّ اللّبنانيّ – الّتي عليها ترتفع سطوتها السّلطويّة . 

عدوّنا الطّبقيّ، إذًا، هو هذا التّحالف المهيمن بكلّيّته. ولكن مهلًا، فهو ليس وحيدًا. نحن في بنية اجتماعيّة كولونياليّة، أي بنية تابعة، ينفّذ فيها هذا التّحالف مصالح العولمة الهيمنيّة، ونقول العولمة الهيمنيّة بدلًا من الإمبرياليّة للتّعبير عن تعدّد مراكز وأطراف السّيطرة الدّوليّة على لبنان. فالإمبرياليّة ليست مرحلة ميكانيكيّة في الرّأسماليّة، هي من آخر مراحل الرّأسماليّة، لكنّها أيضًا أكثر مراحلها تناقضًا ودورانًا وتحايلًا على التّاريخ. وعندما تعتبر روسيا أو إيران أنّهما من أطراف الإمبرياليّة، فذلك لأنّ السّيطرة الطّبقيّة لتلك الأنظمة قد امتدّت خلف الحدود السّياسيّة لتلك الدّول، وذلك على حساب الطّبقات المستغلّة في البنية التّابعة (في هذه الحالة سوريا ولبنان). فالبلاد ذات الممارسات الإمبرياليّة لا يجوز بتاتًا نعتها بصفات أخلاقيّة كـ”أصدقاء الشّعوب”. صديق الشّعب الوحيد هو وعيه الطّبقيّ وتعاونه الثّوريّ بوجه الطّبقة المسيطرة على بنيته الاجتماعيّة، وبوجه المستعمر الاقتصاديّ والسّياسيّ الّذي يسيطر على الصّيرورة التّاريخيّة لمجتمعاتنا. بالتّالي، علينا أن نعي أنّنا نوجّه الجميع. جميع الأحزاب الطّائفيّة اللّبنانيّة، وتبعيّات هذه الأحزاب الممتدّة من واشنطن، إلى باريس، إلى السّعودية، إلى دمشق، فطهران. إنّه لواقع مرير أن يواجه شعب صغير في طريق تحرّره كلّ تلك القوى، لكنّه مصير من يريد أن يدخل التّاريخ. فدخول التّاريخ يحتّم المواجهة الشّاملة، والمواجهة الشّاملة بدورها تحتّم التزام كلّ القوى الثّوريّة بالمشروع الثّوريّ النّقيض للتّحالف الطّبقيّ الحاكِم برمّته. وأيّ خطأ في تحديد العدوّ الطّبقيّ وفي تحديد الخطوات التّكتيكيّة لمواجهة هذا العدوّ الطّبقيّ، قد تؤدّي بالانتحار البطيء للمشروع الثّوريّ وزخمه، وقد يعيد التّاريخ الثّوريّ نفسه في أقلّ من عشر سنوات بين سوريا ولبنان.

أمّا في العمليّ، فمن البديهيّ أن يكون أساس أيّ مهمّة تغييريّة هو أن تتوحّد الفئات الثّوريّة فيها باتّجاه هدفٍ محدّد، ولعلّها تبدأ بإعادة تثبيت السّيطرة الجغرافيّة للمنتفضين والمنتفضات على السّاحات والمربّعات الثّوريّة في المناطق، لتوحيد تلك الفئات على أساس التّعاون الاجتماعيّ. ففي ثورةٍ داخل بنية اجتماعيّة كولونياليّة متعدّدة الثّقافات ويسود تحالفها الثّوريّ شيء من اللّاتفارق الطّبقيّ، التّعاون أهمّ من البطولة. والتّعاون هو الّذي يسمح بالتّنظيم-الذّاتيّ والتّمويل-الذّاتيّ. بالتّالي، هو ما يساعد الحركة الثّوريّة على نبذ أيّ تبعيّة، إن للنّظام أم للإمبرياليّة/العولمة الهيمنيّة.