الخنازير تقرع طبول الحرب دومًا

الخنازير تقرع طبول الحرب دومًا

تصوير جاد غريّب

د. أحمد الحلّاني

ملاحظة افتتاحيّة: هذه المقالة عبارة عن محاكاةٍ بين روايةٍ سياسيّة وواقعٍ سياسيّ معاش في لبنان منذ عقودٍ خَلَت وحتّى عشيّة 17 تشرين 2019. عليه، فكلّ ذكرٍ لـ”ثورة” أو “رفيق” (بصيغة المفرد أو الجمع) يحيل على الدّلالة الّتي حملها هذان المصطلحان في الرّواية كوصفٍ للثّورات المضادّة والثّوّار المنتفعين، بمعزلٍ عن الرّسالة السّياسيّة للرّواية.

“كان اثنا عشرة صوتًا يصرخ في غضبٍ، وكلّها متشابهة. لا حاجة للسّؤال الآن، عمّا قد حدث لوجوه الخنازير. وتتطلّع الكائنات في الخارج إليهم، وتنقل نظراتها من خنزيرٍ إلى إنسان، ومن إنسانٍ إلى خنزير. ثمّ من جديد من خنزيرٍ إلى إنسان. لكن أصبح من المستحيل التّمييز بين الإنسان والخنزير!”

بهذا المقطع ينهي الرّوائيّ الإنكليزيّ “جورج أورويل” رائعته المعنونة “مزرعة الحيوان” والّتي تعدّ من كلاسيكيّات الأدب السّياسيّ. فهي تروي قصّة مزرعةٍ ثارت حيواناتها من أجل عيشٍ كريمٍ بعد أن أدّى سوء إدارة الإنسان لها إلى خرابها وتدهور حال سكّانها. الحيوانات المسكينة الّتي انخرطت في الثّورة ضدّ العدوّ “القائم على قدمين”، كانت تؤمّل أنّ تضحياتها ستؤدّي في خاتمة الأمر إلى بناء “مزرعة الحيوان” السّعيدة. ولكنّ الأمور جَرَت على غير المتوقّع (فعلًا؟)، فقد رفعت الخنازير نفسها إلى مصاف القادة وبدأت تخبِّئ بعض الأطعمة كالحليب والتّفّاح لمنفعتها الخاصّة. وبعد معركة استردادٍ فاشلةٍ من قبل صاحب المزرعة السّابق، بدأت ملامح ديكتاتوريّة الخنزير القائد، “الرّفيق نابليون”، بالتّبلور (ما أشبه حال “الرّفاق” في ديارنا بحال نابليون، أولئك الّذين بَنَوْا إرثهم بالدّم والحرب!). وأوّل ما قام به هو إقصاء رفيق دربه، سنوبول، بطريقةٍ وحشيّةٍ عبر مهاجمة زبانيّته من الكلاب للخنزير “المارق” على خلفيّة اقتراحه تركيب طاحونة هواء لتوليد الطّاقة. لم يعجب هذا الاقتراح الزّعيم أوّل الأمر ولكنّه عاد لاحقًا إلى تبنّيه ونسبه لنفسه (من الطّريف ذكر أنّ المزرعة لم تنعم بالإضاءة الموعودة يومًا!).

بعد ذلك، تتوالى معزوفة الطّغيان الّتي نعرفها عن كثبٍ في هذه البقعة من العالم: عودةٌ عن الوعود المؤسّسة للثّورة (وأبرزها حُرمة التّعامل مع الإنسان)، والتّخلّي عن شرط تحسين ظروف العيش لجميع سكّان المزرعة واستبداله بالأَثَرة، وتجاهل مبدأ عدم تنكيل أيّ حيوان بحيوانٍ آخر، إلخ. وقبل هذا وبعده، نشر أتباع “نابليون” بين الحيوانات أنّ حياتهم غدت أفضل في ظلّ حكمه، وأقنعوهم بذلك تحت تهديد السّلطة والخوف من العدوّ المترصِّد. رويدًا رويدًا، تتّخذ الخنازير لأنفسها شكل الإنسان الّذي ثارت عليه مع الحيوانات الأخرى، فتلبس الثّياب، وتنام في الأسرّة، وتشرب الكحول، وتمشي على قدمين (وهذه كلّها مخالفاتٌ لشرعة الثّورة). كما تنشر بين الرّعيّة مقولةً معدّلةً من الشّرعة فحواها “كلّ الحيوانات متساوية ولكنّ بعضها أكثر مساواةٍ من غيرها!” أمّا أكبر الخروقات الّتي قامت بها جماعة الخنازير، الّتي بَنَت إرث سيطرتها على التّهديد من عدوٍّ خارجيٍّ أو داخليٍّ دائم الوجود، أنّها عقدت صلحًا وتحالفًا مع العدوّ الأوّل لحيوانات المزرعة، أي الإنسان.

كانت الحيوانات تجوع ويزداد حالها سوءًا، في حين كانت الخنازير منهمكةً في التّنعّم برفاهيّتها، وزيادة إحكام سيطرتها، مع تضييق الخناق على رقاب الرّعيّة. فما أشبه حالنا اليوم بحال هذه المزرعة! الجوع يتهدّدنا، والحاجة تقف لنا عند ناصية درب الوطن، الّتي سُحقت أحلامنا وأجسادنا على أميالها المديدة. ولكنّ “الرّفاق” لم يجدوا شيئًا أفضل من لعبةٍ أتقنوها ليعيدوا عزف لحنها مرّةً تلو أخرى. إنّها الفتنة، شبح الحرب الرّابض فوق صدور اللّبنانيّين دومًا، ووقودها هو تخويف مكوّنات النّاس بعضها من بعض. لعبةٌ قذرةٌ أودت بحياة عشرات الآلاف من اللّبنانيّين واللّبنانيّات منذ عقودٍ قليلة. انخرط الفقراء في أتونها المستعر في حينها لأنّهم هدّدوهم من “الآخر”، فقتل بعضهم بعضًا، في حين انتفخت كروش “الرّفاق” على أكوام الجثث. وعد “الرّفاق” الأتباع المخوَّفين بأنّ الاستقرار آتٍ والبحبوحة آتيةٌ متى ما تغلّبوا على الأعداء جميعهم. وهذا ما لم يتحقّق حتمًا. وللمفارقة، فجمع عدوٍّ هو جمع تكسيرٍ بالفعل لا بالنّحو فقط، ومن هنا فإنّ الإكثار من الأعداء والعداء والاستعداء يتعدّى الحماية وينقلب إلى ضدّه!

واللّافت أنّه عند كلّ استحقاق، كما مع “الرّفيق نابليون”، تُبصق مُثُل الثّورات الّتي تزعّمها “الرّفاق”، ويُفتتح مزاد المتاجرة بكلّ شيءٍ على مداه الأوسع. فتُباع القضايا وتقايض المبادئ وتُشترى الذّمم، ويبقى الثّابت الوحيد هو السّيطرة الفئويّة والزّعامة. كلّ ذلك مغلّفٌ بمعسول الكلام والوعود والوعيد حتّى يرى الزّعيم أنّ الجماعة لا تعدو كونها كتلةً واحدةً يضرب بها غيره من الزّعماء. من هنا، فقد يتحالف الزّعيم مع “الشّيطان” نفسه على أن لا يفقد كرسيّه المثبّتة على أعتاق “الرّعيّة”. وخطّته لذلك شدّ أواصر العصبويّة والفئويّة لدى أتباعه ولجم المعترضين أو المنتفضين من بيئته. ولا تعوزه الحيلة لفعل ذلك، فلديه الكثير من الأبواق الإعلاميّة والالكترونيّة، المستعدّة لأن تشيع بين النّاس أنّ كل ما يحدث هو محض مؤامرةٍ على الجماعة، لا يستطيع أحدٌ ردّها غير الزّعيم الّذي يحمي وجود هذه الجماعة وكيانها.  ومَثَلهم في ذلك كمثل خراف المزرعة الّتي انفجرت في ثغاءٍ عظيم: “الخير في الأقدام الأربعة، والخير الأكثر في القدمين”، لتغطّي على جريرة تشبّه الخنازير بالإنسان وقيامها على أقدامها الخلفيّة.

يا سادة، إنّ “الحسام اخترق الجسم إلى ما وراء ظلّه”. و”النّاس من خوف الذّلّ في ذلٍّ” قد يتحوّل إلى غضبٍ لا يبقي ولا يذر، يفجّرونه في وجوهكم. فلا تشعلوا النّار في منزلكم احتفاءً بأنفسكم وبسطوتكم. فالنّاس “طفقت تجدّف باللّه، بذويها، بالنّوع البشريّ، بمحلّ ولادتها، وبنطفتها وسلالتها” من فرط الخوف والألم والغضب والقهر من القادم. وحذاري، فقد تكون نهاية “المزرعة السّعيدة” غير النّهاية الّتي سطّرها أورويل وافتتحتُ بها هذا المقال.