الجريمة المتواصلة

الجريمة المتواصلة

تصوير حسين بيضون

 فيفيان عقيقي

قدر الإنسان أن يموت، هذا أمر حتميّ. لكن إلى حين وفاته، فإنّه يطمح ويخطّط ويحلم. قد يتسنّى له الوقت لكلّ ذلك، وقد يموت باكرًا بحادث غير مُرتقب. هذه سنّة الحياة. لكن في هذه البلاد الاستثنائيّة، تحوّلت السّنّة إلى استثناء أيضًا. فقدرنا أن نعيش يومًا بيوم. نحن نحيا بالصّدفة، فيما نمرّر «قطوع» موت تلو الآخر.

كنت أظنّ أنّ جيلي، الّذي لم يعش الحرب ومآسيها، لن يمرّ بصدمات قاتلة شبيهة بتلك الّتي عاشها جيل الحرب وتكيّف مع مجرميها، لدرجة الارتضاء بهم زعماء، ليكفّ شرّهم عنه. لكن أتى الإفلاس وبعده مجزرة بيروت، وبينهما العديد من الصّدمات القاتلة الّتي جعلتنا نعيش بالصّدفة؛ من حريق الدّبية والفشل في احتوائه، إلى انتفاضة 17 تشرين الّتي قُتِلت في مهدها بالقمع والرّصاص وبسياسة المكابرة والتّيئيس، وبعدئذٍ عبر إعلان التّوقّف عن الدّفع ورهن مستقبلنا للدّيون، وصولًا إلى الفشل في احتواء جائحة الكورونا.

نظام القتل العمد

حوادث كانت لتمرّ بأضرار أقلّ، ربّما، من دون أن تحصد الأرواح وتقتل الإرادة، ولكنّها فعلت، بسبب نظام القتل العمد؛ نظام التّحاصص الطّائفيّ الّذي يديره مجرمو حرب، دخلوا في هدنة بقرار خارجيّ في الطّائف، وسطوا على الدّولة وتحكّموا بكلّ مقدّراتنا ومقوّمات حياتنا نتيجة قرار وحيد اتّخذوه وهو اعتماد سياسة اللّاقرار.

تخيّلوا مثلًا لو أنّ التّحقيق في انفجار المرفأ أو حريق الدّبية وصل إلى نهاية، مُحدّدًا المسؤوليّات وكاشفًا هويّات المسؤولين لمحاسبتهم، أو لو عُرفت هويّات المستفيدين من الهندسات الماليّة، أو هويّة مرتكب خطأ تافه مثل هدر كرتونة ورق في وزارة ما… ماذا قد يحصل؟

تخيّلوا زعيمًا طائفيًّا يتّخذ قرارًا يؤدّي إلى محاسبة مسؤول، من طائفته، عن جريمة أو خطأ ما. لا تتخيّلوا كثيرًا، لن يفعلها. فمن أين يحصل على مؤيّد بديل؟ هو لن يجد غيره من طائفة أخرى ولا من طائفته حتّى، وبالتّالي، لن يسمح لنفسه بأن يضعف أمام زعيم طائفيّ آخر. وحتمًا لن يتّخذ قرارًا بمعاقبة مسؤول من طائفة أخرى، وإلّا سيجد نفسه أمام حرب طائفيّة.

نحن محكومون بالموت سواء اتّفقوا أو اختلفوا. سوف نموت حتمًا، بشكل ما، ربّما برصاصة قد يطلقها أحدٌ وهو يسرق ليأكل، أو بحادث سير لأنّنا لا نملك كلفة صيانة فرامل السّيّارة  بسبب انهيار العملة، أو حتّى انتحارًا نتيجة اليأس.

الإفلاس والعجز والخارج

لا شكّ أنّ هول مجزرة المرفأ كانت كبيرة، وتركت آثارها في كلّ منا. لقد أخذت أحبّاء وأصدقاء وذكريات، وتركت الكثير من الدّمار، لكنّها لم تمحُ أثر الجريمة السّابقة: الإفلاس. وفتحت المجال أمام الجريمة الآتية: التّدخّلات الخارجيّة الّتي لا تنتهي، عادةً، إلّا بمأساة جديدة.

بحكم الإفلاس وعدم القدرة على تأمين كلّ احتياجات هذا المجتمع واقتصاده، سيزداد تقنين الكهرباء لعدم توافر الفيول، لن نتمكّن من التّنقّل بسلاسة لعدم وجود نقل عامّ وعدم قدرتنا على ملء سيّاراتنا بالمحروقات. سيزداد كذلك انتشار النّفايات على الطّرقات بعد رحيل العمّال الأجانب. لن تصلنا المياه بسبب اهتراء الشّبكة وعدم إمكانيّة صيانتها. ستتقطّع الاتّصالات نتيجة إطفاء محطّات الإرسال. قد نموت فعلًا على أبواب المستشفيات لعدم القدرة على استيراد المعدّات والأجهزة الطّبّيّة والأدوية. سنخرّج جيلًا أمّيًّا، (للتّفاؤل، جيلًا يجيد القراءة والكتابة)، نتيجة إقفال المدارس الخاصّة وضعف المدارس الرّسميّة. سيغلق ما تبقّى من مؤسّسات العديد من أبوابها، وسيهاجر كثيرون. وربّما، يتحوّل البحر إلى وجهة موتنا الجديدة ونحن هاربون فيه.

بحكم عجز ائتلاف زعماء الطّوائف وفشلهم وغياب الدّولة، فإنّ التّمويل الموعود لن يصل إلّا كمساعدات إنسانيّة تضمن عدم موتنا جوعًا، ولكنّها مساعدات لا تبني مستقبلًا ولا اقتصادًا. التّمويل تحصل عليه دول قادرة على رسم السّياسات واتّخاذ القرارات، أمّا المساعدات فتتسوّلها الدّول الفاشلة. على مدار ثلاثين سنة، حظي زعماء الطّوائف بدعم دوليّ بالرّغم من غياب دولة لأسباب رتّبتها مصالحهم الإقليميّة. أمّا اليوم، فبات هذا التّمويل شبه مستحيل بسبب ما وصلت إليه البلاد من أزمات ماليّة وسياسيّة، ولأنّ أيّ تمويل سيقترن بشروط سياسيّة قد تفجّر حربًا أهليّة.

الاستسلام أو الانتقال

17 تشرين كانت لحظة استثنائيّة، ولكنّها لن تتكرّر، أقلّه، ليس قبل وقت طويل جدًّا.

الآن، يطبخ لنا الخارج نظامًا سياسيًّا جديدًا؛ فهو طبخ نظام المتصرّفيّة، ولبنان الكبير، والطّائف، والدّوحة، وبالتّالي كلّ ما يُحكى عن إجراء تحقيق ومحاسبة، أو انتخابات مبكّرة، أو حكومة عسكريّة، أو حياديّة أو وحدة وطنيّة، هو تمرير لوقت ضائع إلى حين تبلور شكل النّظام الجديد وأزلامه.

نحن اليوم أمام سيناريوهات، كحكومة عسكريّة أو إعلان حالة طوارئ مُعمّمة، بغية قمع النّاس متى علا صوتهم جوعًا. وهو ما يتطلّب اتّفاقًا أميركيًّا إيرانيًّا يجري التّفاوض عليه، نظرًا لأنّ القوّتين العسكريّتين في البلاد، أي الجيش وحزب الله، تأتمران من أحد منهما، تمهيدًا لتقسيمات طائفيّة ريثما تتمكّن كلّ دولة أجنبيّة من العثور على وكيل داخليّ في منطقتها.

يبقى التّعويل على القوى المعارضة بالالتقاء، أقلّه الآن، وقبول تحمّل المسؤوليّة ضمن حكومة بصلاحيّات استثنائيّة خلال مرحلة انتقاليّة تدير الإفلاس والدّمار وتنتقل إلى دولة مدنيّة قادرة على اتّخاذ القرار، وينضمّ إليها من القضاء والعسكر والموظّفين العامّين وأتباع الأحزاب من يشعر فعلًا بخطورة المرحلة، ويرى ملامح حرب جديدة يخشاها ومأساة لا يريد استمرارها.

هؤلاء قتلة عن عمد. جرائمهم كثيرة. مجزرة المرفأ ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أنّهم موجودون، وطالما البديل عنهم لم يتشكّل بعد.