البديل السياسي: بين الممكن والمستحيل

البديل السياسي: بين الممكن والمستحيل

افتتاحية ١٧ تشرين – جاد غصن

انفجار بيروت في الرّابع من آب عام 2020 هو واحد من تلك الأحداث القاطعة مع ما سبقها. من تلك الوقائع المفصليّة الّتي يذكر النّاس أين كانوا ساعة وقوعها ويوسمونها بعبارات فقدت وقعها في بلد تراكمت فيه الأزمات على بعضها. كأن نقول، أنّ “ما بعد الرّابع من آب ليس كما قبله.”

فكثيرةٌ هي المفاصل الّتي مررنا بها في العقدين الأخيرين (كحدّ أدنى) الّتي قيل فيها أنّ بعدها ليس كما قبلها. وجزئيًّا، في القول هذا، شيءٌ من الصّحّة. بعد تحرير الجنوب ليس كما قبله. بعد الـ 1559 ليس كما قبله. بعد اغتيال الرّئيس رفيق الحريري ليس كما قبله. بعد الانسحاب السّوريّ ليس كما قبله. بعد حرب تمّوز ليس كما قبلها. وتكرّ السّبحة وصولًا إلى اليوم.

لكن إلى جانب هذا القول المكرّر، قولٌ آخر مكرّرٌ ومتعارفٌ عليه في المعجم السّياسيّ اللّبنانيّ: “التّاريخ يعيد نفسه في لبنان.” وفي هذا تعبير بأنّه، وعلى الرّغم من المفاصل الكبيرة الّتي نمرّ بها وعلى الرّغم ممّا تحدثه هذه المفاصل من تغيّرات في تطوّر الأحداث وفي موازين القوى الّتي تشكّل البنية الأساس للمشهد السّياسيّ، هذه البنية السّياسيّة تبقى نفسها. فالتّغيير الحقّ في البنى السّياسيّة القائمة على اللّادولة، وبلغة جدّ باردة، لا ينتج إلّا بتغيّر في موازين القوى الّتي تكونها، لا بالرّهانات على الحتميّات التّاريخيّة أو على الخارج الّذي لطالما كان أحد أصول البلاء في لبنان.

لا، السّياسة ليست “روايةً شرقيّةً بختامها يتزوّج الأبطال”، وليس فيها غلبة حتميّة للحقّ أو للمنطق أو لأيّ من الحتميّات التّفاؤليّة الّتي تؤمن بأنّه “لا بدّ للّيل أن ينجلي.”

في الواقع، لن يغادر زعماء الحرب والمال مواقعهم إكرامًا “لثّوّار” غاضبين، ولن يدخلوا السّجن في مشهد سينمائيّ بطله المجلس العدليّ ولكنّهم، إن شاؤوا، لأدخلوا أهل المجلس هذا إلى السّجن مكانهم.

ولا، الدّول غير آبهة بإنتاج حلّ يناسب المطالبين بتغيير جذريّ في لبنان فيما تحمل كلّ واحدة منها أجندة مصالحها في حقائب سفر مسؤوليها الآتين والمغادرين. فهذه الدّول جهدت لتثبيت دعائم النّظام الحاليّ ولتمكين شاغليه من زعماء حرب ومال، منذ اتّفاق الطّائف عام 1990 وصولًا إلى “تسنيدهم” عند كلّ عثرة منذ أيّام باريس 1 وصولًا إلى سيدر.

قد يظنّ البعض أنّ سبب ذلك هو أنّ الزّعيم اللّبنانيّ المفدى مالئ الدّنيا وشاغل الدّول وأروقتها، لكنّ الحقيقة عكس ذلك تمامًا. لبنان بلد صغير وليس هناك من يبالي بأحواله إلّا بهدف تأمين استقرار فيه حتّى لا يكون مصدر أرق لمحيطه، أوّلًا باتّجاه إسرائيل وثانيًا باتّجاه كلّ الصّراعات شرقه.

مهما درنا والتفتنا وبحثنا عن حلول الـ delivery، تلك الّتي نطلبها من غيرنا بالضّغط على شاشات هواتفنا الذّكيّة للمشاركة بثورات التّغريدات والهاشتاغات الافتراضيّة، سنعود دائمًا إلى حقيقة قديمة مملّة وقد لا تجذب كثر؛ إنّ أيّ حلّ حقيقيّ لن يحصل سريعًا، وإنّ منطلقه لا يمكن أن يكون افتراضيًّا بل بتكوين إرادة شعبيّة تغييريّة حقيقةً.

والافتراض ليس باختزال النّشاط السّياسيّ عبر التّعبير عن السّخط على تويتر أو فايسبوك فحسب، بل أيضًا يمكن أن يكون بالتّعبير عن السّخط هذا بين جدران أربعة، في البيت، في مكان العمل أو في أيّ مكان آخر. فبالنّهاية، تقول هذه الحقيقة القديمة والمملّة: إن لم ينخرط النّاس في حركات سياسيّة منظّمة وهادفة بناءً على قناعات سياسيّة واضحة لإنشاء أوسع قاعدة تأييد شعبيّة، فإنّ موازين القوى الموجودة لن تتغيّر بل ستعيد تشكيل نظام سياسيّ جديد على بقايا ذاك البائد.

وإلّا، يصبح واهمًا وغير منطقيٍّ من يعتقد أنّ له حقًّا مكتسبًا بالتّغيير، إن لم يتوّحد أقلّه 20% من هذا الشّعب على مشروع وشكل واضح لهذا التّغيير. فالتّغيير ليس حتميّةً تاريخيّةً وليس حقًّا مكتسبًا، بل هو نتيجة غير مضمونة لنضال مريديه.

لواقعنا حقيقةٌ مرّة غير رومنسيّة، ومن هذه الحقيقة تسقط المسؤوليّة التّاريخيّة على الحركات السّياسيّة الجدّيّة من بين غابة الحركات الطّفيليّة الّتي تقدّم  نفسها على أنّها حركات ثوريّة أو انتفاضيّة أو تغييريّة. لتلك الحركات الجدّيّة: انقسموا لتتوحّدوا، ومن ثمّ تفاءلوا. فعلى نقيض كلّ دعوات الوحدة بين مجموعات “الثّورة”، المطلوب اليوم هو أن تنقسم هذه المجموعات عن بعضها البعض، أو بتعبير أدقّ، أن تفرز نفسها سياسيًّا. فقاعدة العمل السّياسيّ تبدأ من الاختلاف في الرّؤى والمشاريع ومناهج العمل وغيره، ونقيضه أشكال الوحدة المزيّفة الّتي تعطّل أيّ قوّة سياسيّة عن العمل. والدّليل الماثل أمامنا على ذلك هو حكومات الدّجل الوطنيّ المسمّاة بحكومات الوحدة الوطنيّة.

غير أنّ هذا الانقسام وسيلته هو بتوحّد المجموعات المتجانسة في الأهداف السّياسيّة لتصبح جسمًا سياسيًّا صلبًا، وتطرح للنّاس ائتلافًا واسعًا يحمل مشروعًا واضحًا للتّغيير. عندئذٍ، يصبح العمل سياسيًّا بحقّ عبر التّواصل مع النّاس لتكوين أوسع تأييد شعبيّ لحجز مقعد بالقوّة الذّاتيّة في أيّ كلام عن شكل المرحلة المقبلة.

وبعد كلّ ذلك، تفاءلوا. لا لأنّ الحلّ سهل أو قريب، أو لأنّ الاحتمالات مرتفعة، أو لأنّ حظوظ حجز مكان في المطبخ السّياسي وافرة، وإن تكوّنت أجمل وأفعل الجبهات. ولا لأنّ النّاس ستتمكّن من إزالة أيّ من الزّعماء في ليلة ظلماء، أو لأنّ الدّول ومصالحها ستتركنا لنحقّق أحلامنا. بل لأنّه متى تحقّقت الظّروف الطّبيعيّة للعمل السّياسيّ الجدّيّ، يصبح التّفاؤل كما التّشاؤم نبوءةً تحقّق نفسها. فإنّ تشاءم النّاس من إمكانيّة التّغيير لاستحالته، يصبح التّغيير عندئذٍ مستحيلًا. وإن تفاءل النّاس بأنّ التّغيير ممكن، يصبح التّغيير عندئذٍ ممكنًا.

لا بدّ لهذا التّفاؤل ألّا يكون أعمى بحتميّات توهمنا بأنّ اللّيل سينجلي، لأنّ الغد في السّياسة ليس غدًا، ولا هو سيبزغ وحده بمرور الزّمن. لكنّ التّفاؤل شرط ضروريّ لمن يقتنع بأنّ للنّاس أدوار في تحديد مصائرها؛ فيما التّشاؤم، فعليًّا، هو قناعة النّاس بعجزها، وأيّ قناعة كتلك هي مدخل كلّ هزيمة.