مذبحة بورسعيد: عن الفاجعة الأكبر في تاريخ الكرة المصرية

مذبحة بورسعيد: عن الفاجعة الأكبر في تاريخ الكرة المصرية

محمود ضيا

هل جرّبت يومًا أن يتحوّل مصدر سعادتك الأوّل إلى سبب حزنك الأبديّ؟ 1 فبراير 2012
تعيش دائمًا في انتظار النّهاية السّعيدة، نهايةٍ تحتمل بانتظارها كلّ ما مرّ عليك من صعوباتٍ، نهاية طريقٍ يُبشّر دائمًا بالخير. ولكن ما حدث في ستاد بورسعيد وقتئذٍ، كان النّهاية الأسوأ لأيّ حكايةٍ قد تعيشها أبدًا.
الحادية عشرة والنّصف من ظهر اليوم الأوّل من فبراير عام 2012 وفي القطار رقم 451 المتحرّك من القاهرة، تواجد شبابٌ اعتادوا السّفر لتشجيع الأهليّ، إلّا أنّهم هذه المرّة رجعوا إلى بيوتهم بأقلّ من 72 صديقًا متوفّيًا وبجزءٍ من أرواحهم ظلّ هناك. عادوا محمّلين بآلامٍ وذكرياتٍ ستظلّ تلاحقهم حتّى الموت.
لسنا هنا لنصف ما حدث في ذلك اليوم، فمهما قيل من التّفاصيل، لن تكون كافيةً لتصوّر هول الصّدمة: أن تخرج من بيتك لتشاهد مباراة كرة قدمٍ، وتنتهي حياتك وأنت تشجّع فريقك؛ أن تشعر بالرّعب وسط إرهابٍ ومحاولات قتلٍ واضحةٍ في الظّلام دون أن تملك الفرصة حتّى للدّفاع عن نفسك أو المحاولة للهرب… هل اعتقدت أنّ الأمور انتهت؟ تضاء الأنوار وأنت على شفا السّقوط لتجلس ملتقطًا أنفاسك وتبدأ رحلةً جديدةً من الصّدمات. من كان قبل ساعتين واضعًا يده على كتفك وهو يهلّل فرحًا بهدف الأهليّ، عُدت أنت الآن لتحمله على كتفك نحو مثواه الأخير، وأمام عينيك تسقط ذكرياتٌ من الفرح والحزن والجنون والاحتفال، وتموت سهوًا، دون أن تنجح في إنقاذها بتاتًا.
اللّحظة الأصعب على أيّ شخصٍ، هي اللّحظة الّتي يشعر فيها بالخوف. فما بالك بمن يشهد موته وموت أصدقائه أمام عينيه دون أن ينجح في إنقاذهم أو حتّى النّجاة بحياته؟ فيتمّ إلقاؤه من فوق سور الملعب أو يتعرّض لضربٍ مبرحٍ حتّى الموت.
من جنازةٍ إلى عزاءٍ ومن بكاءٍ إلى بكاء. جاء فبراير كئيبًا على الأصدقاء والأهالي ليبدأ الجميع بعدئذٍ بتأجيل حزنهم مستعدّين لرحلةٍ جديدةٍ، علّهم يجدون محاكمةً عادلةً يسترّدون فيها حقّ من ماتوا.
هل فكّرت كم من الوقت استغرق من شاهد ذلك بعينيه ليتعافى من الصّدمة؟ وكم منهم لم يعد إنسانًا سويًّا بعد ساعتين من الرّعب بسبب مباراة كرة قدمٍ؟ هل فكّرت بمن لم يتعافوا حتّى الآن، بعد عيشهم تلك اللّحظات؟
بين هول صدمة ما حدث، وبين الألم على فراق أصدقاء جمعتك بهم ذكرياتٌ لا تنسى، تجد نفسك مطالبًا بالبحث عن حقوقهم في محاكمةٍ عادلةٍ لمن قتلهم. نظرات الأمّهات لأبنائهنّ الشّهداء وحدها تقول أنّ لا أحد سيعيد الحقّ غيرهنّ. نظراتٌ كافيةٌ لتشعل النّيران المتأجّجة داخل قلوب مجموعةٍ من الشّباب شاهدوا الموت بأعينهم.
مع تحقيقات النّيابة في مصر، كانت البداية باعتصامٍ أمام مجلس الشّعب بمشاركة العديد من المناصرين لهذه القضيّة، حتّى تمّ تحديد موعد بداية المحاكمة بعد القبض على عديدٍ من المشتبه بهم.
بين عرض الأدلّة وجلسات المحاكمة من جهةٍ، وبين رفض مجموعة “أولتراس أهلاوي” لعب مباريات الموسم المحلّيّ قبل النّطق بالحكم من جهةٍ أخرى، قضى أصدقاء الشّهداء وذويهم عام 2012 كاملًا في مسيراتٍ هنا ومحاولاتٍ للتّأثير على كلّ أطراف اللّعبة هناك؛ بعضها كان شرعيًّا والآخر غلب عليه طابع الحماس نحو الوصول إلى حقّ من مات دون أيّ ذنبٍ. مرّت شهورٌ من جلسات المحاكمة والاستماع واستعراض الأدلّة، حتّى تمّ تحديد موعد النّطق بالحكم الّذي كاد أن يتأجّل بعد ذلك لولا احتجاجات أفراد المجموعة في أكثر من مكانٍ داخل القاهرة قبل الموعد النّهائيّ بيومين.
السّادس والعشرون من يناير عام 2013، كان شاهدًا أخيرًا على الحكم الأوّل في قضيّة “بورسعيد” بإعدام 21 قاتلًا وسجن آخرين باختلاف المدّة، ليستمرّ زحف أفراد المجموعة حتّى الحكم الأخير في التّاسع من مارس في ما يخصّ أفراد الشّرطة وبعض المسؤولين في النّادي المصريّ، الّذين تلقّوا عقوباتٍ بالسّجن تتراوح بين 5 و25 عامًا.
بين مؤيّدٍ ومعارضٍ للحكم، هنا، عرف الجميع أنّ نقطة النّهاية لهذه الحكاية قد جاءت بأحكامٍ، لربّما أرادها البعض أن تكون أقوى وأكثر إنصافًا، لكنّها ستظلّ انتصارًا كبيرًا لحقوق الشّباب الّذين فارقوا الحياة دون ذنبٍ. من خلالها، كتبت مجموعة “أولتراس أهلاوي” درسًا في استعادة حقوق أصدقائهم ونهايةً أخرى، لم تكن سعيدةً، ولكنّها على الأقلّ مرضيةٌ لدماء هؤلاء الشّهداء.
ما حدث في بورسعيد وتلاه بعدها بثلاثة أعوام في ملعب الدّفاع الجويّ، كانا نهاية الكرة المصريّة إكلينيكيًّا. لا أقصد المعنى الحرفيّ للكلمة، إنّما أعني أنّ روح الكرة قد ماتت. الجماهير الّتي اعتادت التّواجد في كلّ مكانٍ، أصبح حضورها الآن بمثابة المعجزة؛ فعقليّات الجماهير وحتّى اللّاعبين اختلفت، وكأنّ كلّ شيءٍ قد توقّف وقتها.
إحياء الذّكرى ظلّ مستمرًّا بعد ذلك حتّى عام 2017، عندما تمّ منع أفراد المجموعة من ممارسة الطّقوس السّنويّة المعتادة لذكرى أصدقائهم داخل “ملعب مختار التّتش” في النّادي الأهليّ، وأصبح إحياؤها مُقتصرًا على “السّوشيال ميديا” مع بعض الزّيارات لأهالي الشّهداء.
أيّامٌ تمرّ حتّى يأتي الأوّل من فبراير من جديدٍ، ليُعيد أمام عينيك في لحظاتٍ، سيناريو ما حدث يومها وما تلاه من آلام. أعوامٌ تمرّ ويتحوّل رأي الجميع من تعاطفٍ حينًا إلى ضجرٍ وهجومٍ أحيانًا.
لن ننسى من قتل ومن دبّر ومن خان.
لن ننسى من حمل صديقه لمثواه الأخير. لن ننسى من بكى لسنواتٍ شوقًا إلى أصدقائه. لن ننسى من فقد ولده غدرًا. التّاريخ لن ينسى! ومن عاش وشاهد تلك المجزرة الوحشيّة، سيظلّ يُذكّر الجميع بها حتّى النّهاية.