موسيقى الصّور الشّمسيّة

موسيقى الصّور الشّمسيّة

تصوير جاد غريّب

وجدي أبو دياب

موسيقى تعلن بدء الحرب وتجعل من الجنود المساكين وحوشًا متعطّشةً للمعارك، موسيقى سيّئة المفعول والنّتيجة.

موسيقى تجعل من ذكرياتٍ قديمةٍ كادت تموت، حالةً مستجدّةً تدعو للبكاء والكآبة، موسيقى سيّئة المفعول والنتيجة.

موسيقى صاخبة، تجعل من الكهول شبابًا، سيّئة المفعول والنّتيجة.

موسيقى تدعو للاسترخاء، وتقف بوجه غضبٍ لا بدّ منه، هي موسيقى سيّئة المفعول والنّتيجة.

موسيقى الطّرب؟ والعياذ بالله، سلطنة ومعصيات! موسيقى سيّئة المفعول والنّتيجة! 

ماذا عن موسيقى الثّورة؟ وهل للثّورة موسيقى؟

بكلّ الأحوال، هي موسيقى سيّئة المفعول والنّتيجة!

موسيقى ترتدي أحاسيس سامعها، وتستدرج نقاط ضعفه للسّيطرة… 

موسيقانا حكمت عليها الطّفولة.

الموسيقى وجدت لتسمع، فما قيمة الموسيقى إذا لم تسمع؟ موسيقى فرضت عليها قيود لتنتشر أو تتحرّر من تقليدها وصورتها الأولى عند الولادة… 

كلّ حيٍّ يولد صغيرًا وينمو ويتغيّر، فلمَ ممنوعٌ على موسيقانا أن تنمو وتتغيّر؟ 

موسيقى ولدت مع صوت عربة الخيل، وعاصرت صوت الباصات والقطار الكهربائيّ، فكيف لا تنمو وتتغيّر؟ 

موسيقى أُلّفت على الرّبابة والنّاي الخشبيّ في الحقول والصّحارى، وأصبحت تقدّم مع الأوركسترا على المسارح، كيف لا تنمو وتتغيّر؟ 

موسيقى ولدت أمّيّةً، لا تعرف القراءة والكتابة، والحفظ والتّرداد هما سبيلها الوحيد للحياة. أمست موسيقى متعلّمةً تحترف القراءة والكتابة والتّكنولوجيا، فكيف لا تنمو ولا تتغيّر؟ 

موسيقانا بحاجةٍ للحرّيّة، كما شعبنا العربيّ. موسيقى حبست لأجيالٍ في شعارات الأصالة والتّقليد والمحافظة والحذر من التّغريب والأعاجم! 

إذا لم تستطع كسر القفص، لن تعيش خارجه، والخارج فيه طعامٌ وماء وغير ذلك الكثير! 

موسيقانا لا تشبهنا؛ فلم نعد في زمن المعارك على الخيول، ولا زمن الحزن الأبديّ على المحبوب، وما عدنا بزمن الحمام الزّاجل! 

تجتاحنا الطّائرات…

نحن بحاجةٍ لمضاداتٍ طائراتٍ، لسنا بحاجةٍ لسيوفٍ ورماح… 

التّجريد هو لغة العصر، هو الوحيد القادر على المواجهة مع حياتنا المعقّدة، ومشاكلنا المترابطة ومجتمعاتنا الرّماديّة… 

بحاجةٍ لأفكار، لاعتصار التّجارب وتجاوز كلّ تقليد، إلى الاستفادة من كلّ متاحٍ لم يكن متاحًا، كلّ مباحٍ لم يكن مباحًا، وكلّ جريمةٍ لم تعد جريمةً. والأهمّ، إلى تجاهل حرّاس الهيكل والتّعامل معهم كما نعامل الحرّاس، فالقيام بفعل الحرس هو قوت يومهم، بدونه سيتضوّرون جوعًا! 

موسيقانا أصبحت حميدة المفعول والنّتيجة، ما عادت مؤثّرةً، ما عادت تكتب لتسمع، بل لتعيد ما سمعناه، وبأقصى حالاتها لتعيد صياغة ما سمعناه بأسلوب الولادة الأولى… 

موسيقى قاصرة عن التّطوّر، ليس لعدم تواجد الإمكانيّات، بل لابتعاد أهل الموسيقى عن السّمع وانصرافهم إلى صياغة ما سبق وسمع، وقبوعهم بالهيكل وحراسته، والتّلذّذ بطيّباته الطّفوليّة الّتي توقّفت عن النّموّ. فحرّاسه منعوا دخول الغذاء بحجّة فساد وسرطنة بعضه… 

الغذاء الفاسد يعزّز المناعة ويجعل من خبراتنا بانتقاء الطّعام صلبةً ومن إدراكنا لما  هو مفيدٌ أوضح.

الموسيقى تقاس بتأثيرها على سامعها، لا تقاس بآلاتها ولا عدد دقائقها وبساطتها أو تعقيدها. الموسيقى إذا لم تكن سيّئة المفعول والنّتيجة، هي كالصّورة الشّمسيّة، لا تصلح إلّا للمعاملات الرّسميّة الرّوتينيّة المملّة.

في عصرٍ أصبحت فيه جرائمنا  رقميّةً، وتواصلنا أصبح افتراضيًّا، وحتّى أحاسيسنا أصبحت معادلاتٍ تجد حلًّا وسطيًّا بين ما بدأنا به وما فرضته ظروف الاستدامة؛ عارٌ أن تبقى موسيقانا رافضةً عبور الزّمن، وتناول غذاء التّجريد والتّكنولوجيا وتكسير التّقاليد والعادات الواهية. 

حتّى معاملاتنا الرّسميّة أمست عبر الإنترنت، وموسيقانا تنشر على مواقع افتراضيّة، تسمع افتراضيًّا، وتقيم افتراضيًّا؛ لكنّها لا تقبل التّجريد، لا تقبل الحداثة، لا تقبل المسّ بشكلها، في عصر عمليّات التّجميل! 

ما أجمل جوهر موسيقانا! ما أغناها! 

كما نعدّ الشّهداء عبر الشّاشات، دون عدّ الأشخاص، أصبحنا نعدّ الأعمال الموسيقيّة دون عدّ الأفكار…

حرّروا موسيقانا من حرّاسها وهيكلها، ودعوها تنمو وتتغيّر. اجعلوها سيّئة المفعول والنّتيجة!