الموليّا والبعث دونت ميكس… يوتوبيا النّظام السّوريّ المتمخّضة من رحم الموسيقى الهابطة…  

الموليّا والبعث دونت ميكس… يوتوبيا النّظام السّوريّ المتمخّضة من رحم الموسيقى الهابطة…  

تصوير حسين بيضون

بتول يزبك

عندما تذهل تلك العين المادّيّة ذات القرنية المتقلّصة ذلك الخوف المتشظّي هنا وهناك والشّاخص للعيان عند أعتاب منبج، وعندما تصطبغ تلك الصّفصافة المترنّحة عند ضفاف الفرات بحناء الدّم وتُصبّر جذورها بالجيف الّتي تختزل الحرّيّة وتبعثرها بعطرٍ مهيّجٍ للآلام وللسّخط وللأمل، ينبثق هناك من بعد خفيّ نويحٌ مُبهجٌ يحمل في ثنايا أصدائه نشوةً مُسكرةً، ويتربّص بالأمواج السّاجية ونسائم الفرات الكئيبة، وعلى وقع تراجيع الدّفّ وتصفيق الطّفوف المُتعبة يناغي ذلك الّذي استعصى عليه الحبّ شاديًا بصوته الطّروب المرهق:

“من غير عيون الحلو محد ملا عيني

الله يذلّ الرّبع صارم ملاعيني 

النّجمة الّي ورا السّايج ملّت عيني

هذاك نجم السّما كلو ولا شيه”

ومن بين طيّات هذه الكلمات الضّاجّة بإيحاء الحبّ اللّذيذ والعابقة برياحين العشق البعيد المُدمّى بأشواق عتيقةٍ فطريّةٍ تحمل روحًا ريفيّةً هشّةً، ينبثق من ركام سوريا الذّبيحة ومن على ضفاف الفرات الخصب أخضر الخمار، فنٌّ نادرٌ غريبٌ وقعه على الأذان، يمزّق برماحه الجامحة نياط الأحزان… ويستمرّ النّويح المبهج هناك يتردّد… كجرم يشقّ عباب كتلة الحرب الصّلبة فيفتّتها…

“الموليّا”… هذا الفنّ المكنون في رحم الفرات والّذي يُرجح الباحثون أنّ له ما له من الخصوصيّة التّاريخيّة إذ يشاع أنّه نشأته، وذلك حوالي القرن السّابع، وقد تمخّض من حنجرةٍ جاريةٍ لجعفر بن يحيى البرمكيّ ترثي مولاها وقد كان وقتها رثاء البرامكة أمرًا محرّمًا من قبل الرّشيد. ففي نحيبها على سيّدها بلهجتها العامّيّة، ختمت كلّ بيتٍ بكلمة “يا مواليه”؛ ومعنى هذه الكلمة في اللّغة العربيّة والّتي تحمل النقيضين (السّيّد والعبد). وهنا، بما معناه أنّ الجارية قد خاطبت وبكت مولاها أي سيّدها. 

 إلّا أنّ هذه الرّواية قد كانت محط رحال الطّعن، إذ أجمع الباحثون بأغلبهم على أنّ هذا الذّوق الفنّيّ قد تمخّض من سوريا، محافظة دير الزّور ومنطقة “وادي الفرات”، حيث عاش من المحبّين الّذين كتب عليهم البُعد فغنّى العاشق أشواقه وترجمها بنويحٍ ذي نغمٍ مُرهفٍ عابقٍ بالجوى. ومنها انجرف تيّاره نحو مناطق أخرى منتشرًا في ربوع الوطن العربيّ، إلّا أنّ انجرافه هذا قد تلته سلسلةٌ من التّعديلات، إذ اصطبغ بصبغاتٍ متعدّدةٍ غير صبغته الأساس المعتلّة بأحزان الفرات. 

منها “هيهات يا بو الزّلف… حرّة يا سوريا

ناديت ردّ المدى… والصّوت حرّيّة” وغيرها الكثير من النّسخ المُعدّلة.

و”الموليّا” هي قصيدةٌ موزونةٌ على البحر البسيط، تتألّف من أربعة أشطرٍ تنتهي الأشطر الثّلاثة برويٍّ واحدٍ، في حين ينتهي الشّطر الرّابع “القفلة” بالياء المشدّدة أو التّاء المربوطة.

“أحباب قلبي رحلم حيران بإيّامي 

القلب دوم يحاسب والعين ما تنامي

يحمسون قلبي ليش يمرّون جدامي

مابي سبب للزّعل عيني يالبنيه…”

الموليّا تتكرّر إيقاعيًّا عند الغناء، والشّادي بها يكون مفردًا تصاحب صوته آلةٌ موسيقيّةٌ تراثيّةٌ كالدّفّ أو المزمور أو الرّبابة. وتطوّرت لتشمل الآلات الموسيقيّة الشّرقيّة كالعود والكمنجة وغيرها.

أيًّا كان رأي المتذوّق لهذا الفنّ، فلا يمكن إنكار أصالته المتجذّرة وطابعه التّراثيّ العريق؛ إلّا أنّه من الصّادم والمؤسف ما سأتطرّق إلى عرضه:

إنّ هذا الجنس الموسيقيّ وما يحمله من أدبٍ وموسيقى في جعبته القوميّة، كان مرسى للقمع الممنهج من قبل السّلطات السّوريّة ذات الرّوحيّة البعثيّة. فإذا حاولت أن أمخر عباب هذا الصّراع القائم، تراءى لي وبوضوحٍ أنّ ما يجابهه سكّان حوض الفرات المفعمين بالطّيبة القرويّة والمنتهجين لدينهم الفطريّ البعيد عن التّطرّف والعصبيّة الطّائفيّة، من تهميشٍ وعنصريّةٍ شبيهةٍ بالكتالوغ العنصريّ اللّبنانيّ الموجّه ضدّ السّوريّين والفلسطينيّين. ولا يقتصر فقط على “الموليّا”، إذ يعتبرهم البعض أشدّ تخلّفًا وجهلًا وقلّةً درايةً، ومردّه إلى لبسهم للزّيّ العربيّ التّقليديّ ولكنتهم المختلفة، وغيرها من الأسباب الّتي تشرّع باب النّقاش والبحث على مصرعيه. 

 واستطرادًا، فإنّ أجهزة النّظام القمعيّة تعمل على تلويث الصّبغة الفنّيّة بأغانٍ رديئةٍ مبتذلةٍ شعبويّةٍ تهلّل للنّظام وتسخر من معارضيه بنوتاتها الموسيقيّة السّاذجة. فنرى هذا وذاك يسطع بكلّ شعبيّةٍ في سوريا والمحيط جاهرًا بصوته الرّديء هائمًا في يمّ ديكتاتوريّة النّظام، مأخوذًا بقائده المفدى… 

حيث أنّ تكميم التّراث وتهميش بعض الفئات على أساس توجّهاتها السّياسيّة المختلفة ذات الجوهر الوطنيّ الفطريّ، لا يجابه باستغرابٍ، انفجار الشّعب الّذي أنهكه الصّمت المزمن وأرهق ضميره التّكتّم عن الجرائم الّتي تشخص بوقاحةٍ أمام مقلتيه، وجهده الحنين للحرّيّة، نعم الحرّيّة الّتي فُطم منها. 

إلّا أنّ الأجيال الحاليّة تنعي حصارها وجوعها وفقرها وظمأها للحرّيّة بأبيات الموليّا، لتبلسم الجراح النّزوفة وتخدّر الآلام بحقن الشّوق والأمل. 

ومن المُشجيّ والباعث على الأسى أن تنسحب الموليّا وغيرها من الأجناس الفنّيّة التّراثيّة الجميلة إلى درك التّهميش والتّعتيم، لتتماهى على حسابها موسيقى وفنون مبتذلةٌ إباحيّةٌ نافذة الذّوق. فإنّ الذّوّاقة الفنّيّة لابدّ لها أن تعقل هذا النّوع من الموسيقى وتطرب لأشجانه وتسكر على دويّ أنغامه، كي نعيد إلى أنفسنا ترف الفنّ… الفنّ بكلّ ما يحمله من رؤى وتناقضٍ وقداسةٍ وحبٍّ وأمل..! 

أفلا يعقلو.ن.. أنّ سوريا الجميلة، تلك العروس الكئيبة ممزّقة الأشلاء مطعونة الظّهر، والّتي تفوح من بين شعابها رائحة الياسمين والبارود… تنضوي على فلكلورٍ أخّاذٍ وفنٍّ يمتلك مجامع التّرف الرّاقي والصّبغة القوميّة الرّقيقة العفويّة..! 

من هنا، فعليك قارئي الكريم ألّا تتوانى عن الولوج إلى اليوتيوب أو البحث في محرّك غوغل عن الموليّا، وأن تصقل روحك بفيض الشّجن والحبّ والجوهر الفطريّ الخالي من شائبة الرّذيلة.