ضدّ التطويع

ضدّ التطويع

مظاهرة في “بكهام هاي ستريت” ضد جريمة قتل جورج فلويد – تصوير ليام رزندي

هيلاني قزان | ترجمة آية الرّاوي

كشفت سياسة “مناعة القطيع” الّتي تتّبعها الحكومة البريطانيّة، والّتي تمّ تنفيذها استجابةً لتفشّي فيروس الكورونا، عن حالةٍ من العنصريّة المؤسّسيّة والعنف الهيكليّ، حيث توازي نسبة الوفيّات في مجمتعات السّود والآسيويّين والمنتمين إلى الأقلّيّات العرقيّة  (BAME) ضعف تلك الموجودة في المجتمعات البيضاء، على أقلّ تقدير. ومع ذلك، لا تُظهر الحكومة أيّ نيّة أو بوادر لتحمّل المسؤوليّة، أو قبول المساءلة لاتّباعها سياسة التّطويع الّتي لا أساس لها. علاوةً على ذلك، لا شكّ في أنّه وراء التّخفيف السّريع لإجراءات الحجر في بريطانيا هذا الأسبوع، هناك اعترافٌ مفهومٌ من قبل حكومة المحافظين واحتسابٌ مفاده أنّ بدون وضع تدابير وقائيّة، سوف تُصاب المجموعات نفسها مرّةً أخرى بشكلٍ غير متكافئٍ إذا بدأ معدّل الإصابات بالارتفاع. 

يصوّر خطاب “حالة الحرب” الّذي تمّ تبنّيه خلال أزمة الكوفيد ـ١٩ الخسائر في الأرواح على أنّها كارثةٌ لا يمكن السّيطرة عليها ولا يمكن تجنّبها، بدلًا من اعتبارها نتيجة سلسلةٍ من القرارات الحكوميّة المعلَنة والسّرّيّة. بعباراتٍ أخرى، إنّ مقدار الخسائر في الأرواح في سياق الحرب والوباء على حدّ سواء، ناجمٌ جزئيًّا عن القرارات المتّخذة على مستوى الدّولة. إنّ خطر الاستسلام لمنطق إجراءات تعزيز القدرة على الصّمود والتّكيّف، هو أنّه مع زيادة تلك القدرة لدى السّكّان قد تزيد الدّولة من قدرتهم على تحمّل المخاطر المفروضة عليهم. يمكن أن يتعرّض السّكّان والمجتمعات إلى درجةٍ أعلى من المعاناة، فيما يُسمَح لهم بالكاد العيش مع هذا التّهديد المحتمل. باختصارٍ، يتمّ إنتاج السّكّان والمجتمعات المرِنة  والقادرة على التّحمّل من خلال العنف الّذي تمارسه الدّولة، بحيث تضطرّ هذه المجموعات إلى العيش تحت ظروفٍ محسوبةٍ من الخطر المتفاقم.

إنّ احتجاجات “حياة السّود مهمّة”  Black Lives Matter الّتي عمّت شوارع لندن ضدّ مقتل جورج فلويد، تعكس حاجةً متأصّلةً للتّضامن ضدّ العنصريّة المؤسّسيّة والعنف الهيكليّ بأبعادهما المتشعّبة. في ١٠ أيّار، بُعثت رسالةٌ من مجموعة أوبيلي UBELE في پيكهام إلى بوريس جونسون، تطلب الدّعم في سياق دعوةٍ إلى تحقيقٍ مستقلٍّ في الأثر البالغ الشّدّة للفيروس على مجتمعات السّود والآسيويّين والمنتمين إلى الأقلّيّات العرقيّة في المملكة المتّحدة. وهو مطلبٌ مهمٌّ، إذ تجادل المجموعة بأنّ التّحقيق الّذي تقوده الحكومة لن يكون له القدرة على صياغة سردٍ متكاملٍ لهذه الكارثة. كانت، بالأمس، تكهّنات بأنّ مراجعة الحكومة للوضع، بقيادة إدارة الصّحّة العامّة، سيتمّ تأجيلها استجابةً إلى الاحتجاج المتزايد في المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة. لكن بعد الضّغط، تمّ نشر التّقرير ما أجبر الحكومة البريطانيّة على إدراك أوجه التّشابه بين هذه المواقف والتّفاوتات الّتي تبرزها.

عندما رأيت احتجاجات Black Lives Matter تنطلق يوم السّبت (الماضي) على مسافةٍ قصيرةٍ من شقّتي في پيكهام، لم يسعني إلّا أن أتساءل عمّا إذا كان حشد أجسامنا بهذه الطّريقة يلعب دورًا في منطق التّطويع الّذي أصبحت الحكومة البريطانيّة تحتسبه كضررٍ جانبيٍّ لا مفرّ منه لكي ينهض اقتصاد المملكة المتّحدة مجدّدًا. هل الاحتجاج الجسديّ يعني الاستسلام للقوّة الحيويّة (غير) المراعية الّتي تمارسها الدّولة؟  إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكنني الاحتجاج أو التّظاهر، إن لم يكن بجسدي؟ من الواضح أنّ هذا السّؤال له وزنٌ مختلفٌ بناءً على السّياق. فالمسألة لا تقف على جسدي وحده، بل على جهازٍ سياسيٍّ يتعاضد لمطالبة الحكومة البريطانيّة بقبول المسؤوليّة والمساءلة عن النّتيجة المروّعة لاستخدام مبدأ حصانة القطيع كإجراءٍ لتعزيز القدرة على الصّمود والتّكيّف. مزيدٌ من التّضامن في الكفاح ضدّ التّشكيلات الحكوميّة العنصريّة والأبويّة الّتي تستند إلى منطقٍ استعماريٍّ استيطانيٍّ يسمح بإجراء مثل هذه الحسابات في ما يتعلّق بالمخاطر الهائلة الّتي تؤثّر على حياتنا.