التّضامن كلغة مشتركة جديدة

التّضامن كلغة مشتركة جديدة

التّضامن كلغة مشتركة جديدة:
خرائط، ألوان، بورن، وجوه وإشارات معماة من هونغ كونغ

يانس شنغ – ترجمة كريستال الحاج

هونغ كونغ (بالأحمر)

عندما نبسط الصين وهونغ كونغ على الخريطة عينها، يصعب علينا تصوّر الفجوة والاختلاف بين الإيديولوجيّتين. تسجّل هونغ كونغ، بصفتها رقعةً صغيرةً من اقتصاد عدم التّدخّل، 20 بالمائة من أسهم السّوق العابر للحدود الواهية. وتعتبر هونغ كونغ بالنّسبة إلى الصّين بمثابة معبر اقتصادي مرن لاستثماراتها الخارجية ولتصفية ارتيابات رأسمالية الدولة.

 في آذار 2019، اتّخذ القادة الصّينيّون قرارًا غير حصيفٍ. لعلّهم أصيبوا بالتّوتر جرّاء تنافسهم مع الخصم الأميركيّ، سعيًا إلى الحفاظ على القدرة الاقتصاديّة، فابتدعوا فكرة تطويع قانون تسليم المطلوبين واحتمال مصادرة الثّروات الّتي تملكها النّخبة في هونغ كونغ. وبالرّغم من أنّ هذا الفكر قد يكون أشبه بنكتةٍ تآمريّة، غير أنّ مخاوف إزالة حدود المنطقة الإداريّة الخاصّة قد أحدثت تظاهراتٍ احتجاجيّةً ضخمةً اعتبارًا من حزيران 2019. وأبرزت بعض الأساليب التّظاهريّة المستَخدمة إمكانيّاتٍ كامنةً على المنصّات الالكترونيّة، فيما أوضح بعضها الآخر أنّ ثمّة قيود أتيحت لها بعض البدائل. سيعرّفنا هذا الدّليل إلى بعض التّكتيكات التّضامنيّة الّتي اعتمدها النّاس إزاء استخدام التّكنولوجيا في حرب المعلومات، وسط التّفاوت الشّديد الكامن في السّياقات الجغرافيّة.

اقتصاد مرمّز بالألوان

منذ بداية المظاهرات، أُتيح عددٌ من تطبيقات الخرائط المرمزة بالألوان لتمييز المواقف السّياسيّة للمؤسّسات التّجاريّة، أي التّفرقة بين تلك المناصرة للصّين وتلك المؤيّدة للحركة الدّيمقراطيّة. وقام تكتّل المتظاهرين، المشار إلى مطاعمه ومتاجره باللّون الأصفر، بالتّرويج لعددٍ من التّخفيضات تحت شعارات على غرار “خمسة مطالب”، و”ليلة برفقتك” (لنقف مكتوفي الأيدي)، و”يوم الشّكر الأصفر”. ونظرًا إلى الطّبيعة الاحتكاريّة السّائدة في الهيكل الاقتصاديّ في هونغ كونغ، يعمل عددٌ كبيرٌ من المؤسّسات التّجاريّة بدعمٍ غير مباشرٍ من كبار رجال الأعمال الّذين كانوا المستهدفين الرّئيسيّين جرّاء قرار مصادرة الثّروات. وبيد أنّ تجويع المؤسّسات التّجاريّة المناصرة للصّين ليس شيئًا واقعيًّا، إلّا أنّ القيمة الصّافية للاقتصاد الأصفر تبلغ 12,8 مليار دولار أميركيّ.

تطبيق HKmap.live

صُمّم تطبيق HKmap.live بهدف تعقّب عمليّات نشر عناصر الشّرطة والقوّات الخاصّة بصورةٍ متزامنةٍ. يمكن التّطبيق للمتظاهرين تحديث المعلومات فورًا لإيجاد طريقٍ فعّالٍ للهروب. وعندما سحب متجر الآبل ستورهذا التّطبيق، انتقل المتظاهرون إلى استخدام Bridgefy لرصد تحرّكات الشّرطة. يعتمد Bridgefy على تقنيّة البلوتوث لنشر الرّسائل، وهي تقنيّةٌ بديلةٌ جوهريّةٌ في الفترات الّتي تُحجب فيها الإنترنت. بالتّالي، كلّما ارتفعت أعداد المتظاهرين، ترتفع بالنّتيجة فاعليّة التّطبيق نظرًا إلى ازدياد أعداد الهواتف المحمولة.

وبالاتّجاه المعاكس، ومن خلال الوسائل عينها، تصدّى المتظاهرون إلى الرّقابة الّتي تفرضها الحكومة الصّينيّة على وسائل الإعلام مستخدمين Airdrop لتشارك معلومات حسّاسة مع مستخدمي جوالات iPhone من السّيّاح الوطنيّين في هونغ كونغ. فهذه المبادرة الودّيّة تسير بكلّ سلاسةٍ في المنطقة السّياحيّة الهادئة نسبيًّا، في ظلّ حزازيّة المعتقدات الإيديولوجيّة.

مسرح Pornhub

يبادر موقع يوتيوب بحذف مقاطع الفيديو ذات الصّلة بالاحتجاجات، دافعًا حزب الخمسين سنة (متصيّدي الإنترنت الوطنيّين أو الترولز) للانتقال إلى جبهاتٍ أخرى ولنشر المعلومات الخاطئة على موقع Pornhub، فيما كان أفراد من هونغ كونغ ينشرون مقاطع الفيديو السّاخرة الّتي كانت قد مُنعت على وسائل الإعلام الصّينيّة. وبالرّغم من أنّه لا يمكن للموقع تبرير صحّة المحتوى، فهو يتيح استخداماتٍ عديدةً لتفادي الرّقابة.

يتيح موقع Pornhub إمكانيّة تعقّب حالات العنف الجنسيّ بحقّ المتظاهرات أيضًا. حاول الكثير من الجيوش الالكترونيّة الصينية إثارة التّحقير والعنف الجنسانيّ عبر ترويج اللّغة المسيئة بحقّ المتظاهرين في صفوف الحراك. وقد كانت أجهزة الشّرطة في هونغ كونغ وراء عددٍ كبيرٍ من العبارات الّتي انتشرت بدعمٍ من الأحزاب المحافظة. فمن بين المواقع الّتي تقوم بأرشفة قوّة اللّغة من خلال منصّاتٍ افتراضيّةٍ عنيفةٍ، يُعتبر Pornhub الموقع الأفضل والأسوأ على حدّ سواء لإطلاق الاعتراضات.

لغة الإشارة الخاصّة بالتّظاهرات

تُستخدم لغة الإشارة هذه الّتي ابتكرها بعض المتظاهرين المجهولين في أيّ سيناريو من السّيناريوهات. فمن شأنها مثلًا إعلام المتظاهرين الآخرين بقطع الأسلاك مستعينين بكمّاشةٍ وتكديس أسوارٍ من الطّوب بهدف التصدّي لمحاولات الإخلاء التي تقوم بها الشّرطة في منتصف اللّيل. ويمكن استخدام لغة الإشارة لإعلام مجموعة الإسعافات الأوّليّة بتمرير المياه إلى الصّفوف الأماميّة، والتّخلّص من الغاز المسيّل للدّموع وتهدئة آثار الحروق الّتي تسبّبها هذه الأسلحة الصينية الرّديئة.

وُزِّعت هذه الرّسومات في كتيّباتٍ تتضمّن دلائل للحقوق القانونيّة وتمّ إرسالها بصيغة pdf على منصّات Telegram  وFacebook وWhatsapp وDropbox. قامت شرطة الجرائم الالكترونيّة بتجميد حساب الـDropbox المستخدم، وحاولت تعقّب مصدر الملفّ، لكنّها اكتشفت أنّ السّيرفر (server) موجود في جنوب أفريقيا.

كاميرا التّعرّف على الوجه

قبل تفشّي الجائحة في العالم، حاولت حكومة هونغ كونغ منع ارتداء الأقنعة بهدف التقاط أوجه المتظاهرين عبر كاميرات التّعرّف على الوجه. وقد أُدرجت هونغ كونغ بالمرتبة السّادسة والعشرين في الصّين من حيث نظم التّعرّف على الوجه، إذ قامت بتركيب 50 ألف كاميرا، بما يعادل 7 كاميرات لكلّ ألف نسمة. وتقدّم الصين عروضات خاصة على تركيب هذه الكاميرات في هونغ كونغ، غير أنّ سرعة تحطيم الواحدة منها تتخطّى ميزانيّتها بالتّأكيد.

موجز

بلّغ أحد المتظاهرين الذي يعمل في مجال التّصليحات عن تصليح زجاج نافذةٍ كان قد كسره منذ بضعة أيّامٍ خلال إحدى المظاهرة. وبعكس أسطورة سيزيف، فكلّ محاولةٍ تعيد رسم الرّؤية.

تنبع هذه الاستراتيجيات التواصلية من مكان معيّن، ولكنّها ليست حكرًا عليه. فثمّة أشخاص مستعدّون للنّهوض وللنّضال في جميع أنحاء العالم. مع أن لا أحد يحرّر المجتمعات إلّا أهلها، يبقى بإمكاننا أن نتشارك استراتيجيات مواجهاتنا في هذه الصّراعات، وأن نتعلّمها سريعًا ونحن نستعيد شوارعنا بغضبٍ صادق.