السّلطة اللّامسوؤلة والطّلّاب اللّبنانيّين المغتربين

السّلطة اللّامسوؤلة والطّلّاب اللّبنانيّين المغتربين

تصوير جاد غريّب

تكتّل الطّلّاب اللّبنانيّين المغتربين 

وُلِدَ التّكتّل مِنبرًا للكثير من الطّلّاب اللّبنانيّين المغتربين، لكي يُعبّروا عن أوضاعهم وواقعهم وما يعيشونه بعيدًا عن أرض الوطن. اليوم، عَلَت الصّرخات المُدوّية في ظلّ جائحة الكورونا، هل سمعتم تلك الصّرخات؟ هل خدشت مسامعكم صرخات طلّابٍ عاجزين عن تسديد أقساط جامعاتهم وإيجارات مساكنهم؟ هل تناهت إليكم أصوات طلّابٍ عاجزين عن تأمين قوتهم اليوميّ، بعدما باتت تحويلاتهم المصرفيّة مُرتهنةً بقراراتكم التّعسّفيّة؟ لم تكتفِ مصارفكم باحتجاز أموالهم، بل حمّلت ذويهم فارق سعر العملة اللّبنانيّة للدّولار الأميركيّ، بصرف النّظر عن السّعر “الصّوريّ” الرّسميّ المُحدّد بـ 1500 ل.ل. من قِبَل مصرف لبنان. هل سمعتم يومًا عن طلّابٍ يُحاولون جاهدين العودة إلى لبنان وأُقفِلت بوجههم كلّ الرّحلات؟ يريدون أن يكونوا مع عائلاتهم في هذا الظّرف الاستثنائيّ، لكنّ “مشكلتهم” أنّهم غير “محسوبين” على طرفٍ سياسيٍّ مُعيّنٍ، ولا يتمكّنون من الدّفع لتأمين “واسطة” للعودة!! 

حاولنا جاهدين إيصال أصوات هؤلاء الطّلّاب عبر صفحاتنا على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، من خلال عرض مقاطع فيديو مصوّرةٍ لهم، أو من خلال نشر كتاباتٍ عبّروا فيها عمّا يعيشونه ويُعانونه/يعانينَه؛ منهم مَن واجهكم بكشف ألاعيبكم، ومنهم مَن انهار باكيًا من اليأس كتلك الشّابّة الّتي قالت لكم “حتّى لو بدّي موت بالكورونا عالقليلة بلبنان بكون بين أهلي”. في الفترة الماضية، كان لنا أكثر من ظهورٍ إعلاميٍّ، في بعض البرامج السّياسيّة والاجتماعيّة وفي نشرات الأخبار التّلفزيونيّة، وكتبنا وكُتب عنّا في العديد من المجلّات والصّحف، لكنّنا لم نلمس أيّ ردّة فعلٍ إيجابيّةٍ تنمّ عن حسن نيّةٍ، ولو قليلًا، يا مسؤولي بلادنا. 

لم تقف مفاعيل حرب الطّلّاب مع السّلطة عند هذا الحدّ؛ فحتّى مع مُحاولات “إجلاء” اللّبنانيّين من بلاد الاغتراب، بقيت الصّفقات المُبرمَة على حساب أموالهم وصحّتهم، أولويّةً بالنّسبة إلى كبار “السّادة المسؤولين” غير المسؤولين. وفي الوقت الّذي رفضت فيه السّلطات اللّبنانيّة القبول بأيّ اسمٍ من أسماء شركات طيرانٍ أخرى عرضت المساهمة بإعادة اللّبنانيّين إلى أرض الوطن، أطلقت العنان لفظاعات شركة طيران الشّرق الأوسط. فالـ”ميدل إيست” احتكرت، كعادتها، “على المكشوف” الرّحلات العائدة إلى لبنان، وفرضت شروطًا تعجيزيّةً على الرّحلات، مادّيّةً وغير مادّيّةٍ، ما منع قسمًا كبيرًا من الطّلّاب من القدرة على العودة. أمّا في ما يخصّ الطّلّاب العائدين، فقد أُعلِنَ عن تخصيصهم بحسم 50% على أسعار تذاكر السّفر، غير أنّهم لم يحصُلوا عليها! وهو ما عبّرنا عنه مؤخّرًا من خلال القيام بعدّة حملاتٍ على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، ونشر عددٍ من الهاشتاغ (“لا للصّفقات المُبَطّنة”؛ “حيتان الشّرق الأوسط”؛ “حرّروا التّحويلات المصرفيّة”).

اليوم، تخطّت الحرب حدود الوطن، عندما أعلنت السّلطة في لبنان أنّها غير جديرةٍ بتحمّل مسؤوليّاتها تجاه مواطنيها ومواطناتها، وأنّ أولويّاتها لا تتضمّن الحفاظ على سلامة أبنائها وبناتها الّذين تخلّت عنهم في بلاد المَهجَر؛ قد يكون هذا لبنانكم، ولكنّنا سنبني لبنانَنا كما رأيناه دومًا، قطعةً من الجنّة على الأرض.

هل حاولتم لمرّةٍ واحدةٍ الاستماع إلى صرخات النّاس؟ هل حاولتم أن تضعوا أنفسكم في مكان شابٍّ في ربيع العمر، كان من المُفترض أن يعيش أجمل أيّام حياته؟ لكنّ أمثالكم هم مَن سلبونا مستقبلنا وضحكاتنا وأحلامنا، بعدما أخذتم منّا الرّغيف والكسرة. هل عرفتم يومًا شعور الأهل حين يرفضون طلبًا لأبنائهم وبناتهمّ كونهم غير قادرين على تأمينه؟ هل أحسَسْتم مرّةً بشعور الغربة القسريّة، بعيدًا عن حضن أمٍّ وعن عيني أبٍ؟

ليس من السّهل التّعامل يوميًّا مع هذا الحجم الهائل من الطّلّاب المغتربين، لكنّ القضيّة تجمعُنا، وهي الغالبة دومًا… نحنُ، مَن ولدتنا أمّهاتنا من رحم الذّلّ وضلع القهر، نتذكّر ولن ننسى تلك اللّيلة الّتي وُلِدَ فيها “تكتّل الطّلّاب اللّبنانيّين المغتربين”. يومها، توحّدنا على وعْد المضي قُدمًا، لانتزاع حقوقنا من سلطةٍ فاسدةٍ، لا يهمّها شيءٌ سوى مصالحها ومكاسبها. نعلم جيّدًا أنّها حربٌ صعبةٌ، وطريقها طويلةٌ ومحفوفةٌ بالمخاطِر؛ ونعلم جيّدًا أنّ خصْمنا “صعبٌ” لأنّه كتلةٌ متراصّةٌ من السّارقين والمُنافِقِين والفاسدين، الّذين يدّعون في العلن التّناحُر لِشَدّ العصَب، ويتوافقون مع “أعدائهم” في الخفاء لتقسيم الغنائم من قُوتنا وقوت أهالينا؛ حتّى أنّنا إن وجّهنا سِهَامَنا إلى أحَدِهم، هرع الجميع لِحِمايَتِه، ونطقَت بالمتوقّع، لترمينا بما فيها: “إنتو كذّابين”.

كنّا نعلم أنّ مُعاناة الطّلّاب اللّبنانيّين المنتشرين في بلاد الاغتراب ستُرهِقُنا، وأنّ التّواصل قد ينقطع بيننا أحيانًا لصعوبته أو لشدّة اليأس؛ لكنّنا لن نتعب أو نتوقّف حتّى نُحقّق مطالبنا… نعِدكم بما يلي: كلمتنا ستَكْسِر فسادكم، أتعلمون لماذا؟ لأنّ كلمتنا هي “الحقّ”. فنحن الطّلّاب نَبض الثّورات وحركات التّحرّر. راجعوا التّاريخ، ففي المراجعة إفادةٌ لكم. نحن مهندسو هذا الكوكب، وأطبّاء مرضاه، وسَنَد ضعفائه، ومَنارة ظلمته… نحن بُناة لبنان الّذي سيخلق من جديدٍ. تلك الأرض الغالية البعيدة عنّا لنا. سنسترجعها. سننتزعها من بين أسنانكم يا “آكلي الأخضر واليابس”. تلك الأرض لنا، يا مَن هجّرتمونا منها قسرًا، وفي أوجّ عطاءاتنا.

سنظلّ نُناضل حتّى الرّمق الأخير. قضيّتنا الأولى هي الطّلّاب اللّبنانيّون في بلاد الاغتراب كما على أرض الوطن. فنحن الحركة الطّلّابيّة في لبنان والعالم، سنستردّ وطننا من العصابات. سنسترجع مُدُنه وشوارعه وأزقّته وزواياه. انتهى زمن الانتظار والصّمت، وبدأ زمنٌ آخر. آن الأوان لنرفع الصّوت في وجهكم. آن الأوان لتعود الحقوق لأصحابها!

كلّا، بالتّأكيد. أمّا نحن، الطّلّاب اللّبنانيّون/ات المُغتربون/ات، فقد أُرغِمنا على عَيش الغُربة وأن نتشارك معاناتها؛ لقد اخترنا أن نستمع يوميًّا إلى بعضنا البعض… اخترنا أن نصغي إلى أوجاعنا سويّةً وأن نتقاسم همومنا سويّةً وأن نسند تعبنا سويّةً وأن نصرخ بالصّوت المدوّي الواحد لعلّكم تسمعون… وتحسّون. نحن مَن تركنا لبنان، مُرغمِين، وابتعدنا عن أحبّتنا وأهلِنا وذكرياتنا، واخترنا أن نكون لوطننا روحًا مقدّسةً، وانتشرنا في كلّ بقع الأرض، لنُحقّق آمالنا وآمال ذوينا، بعيدًا عن نفاقكم وفسادكم.