رحلة صندوق النّقد الدّوليّ

رحلة صندوق النّقد الدّوليّ

تصوير زكريا جابر

رامي راجح

في البداية ستشعر بالقلق. ثمّ تنزعج. بعد ذلك ستغضب. ثمّ ستتقبّل الموضوع وتفاوض.”

عندما سألت صديقي اليونانيّ عمّا يتذكّره من الفترة الّتي تقدّمت فيها اليونان للحصول على مساعدة صندوق النّقد الدّوليّ في العام 2009، كان هذا جوابه.

اليوم، أتمنّى لو أنّنا لم نقبل الاقتراض من صندوق النّقد. فالضّرر الّذي ألحقه باقتصادنا ونسيجنا الاجتماعيّ لا يعوَّض. اضطرّ العديد منّا إلى مغادرة اليونان، فيما لم يعد بإمكان من كانوا خارج البلد أن يحلموا بالعودة أبدًا.”

سكت قليلًا، ثمّ تابع: “كلّ ذلك كان مهزلةً. العلاقة المفروضة كلّها مهزلةٌ. لماذا يتعيّن على صندوق النّقد الدّوليّ التّدخّل لإنقاذ مصرفين خاصّين بحيث كان معظم دين اليونان لهما وهما BNP ParisBas و Deutsche Bank؟

ثمّ، تدخّلت حكومات البنوك، بالأخصّ ألمانيا. هذا التّدخّل في الأزمة حرّض دافعي الضّرائب الألمان على اليونانيّين…” استمرّ حديثنا هذا لبضع ساعاتٍ، وكان الجوّ مشحونًا وثقيلًا. من الواضح أنّ الحديث مع صديقي، يورغوس، عن العقد الماضي لم يجلب له أيّ ذكرياتٍ ممتعة.

هناك خيطٌ مشتركٌ فيما بين الدّول الّتي تسعى إلى برامج صندوق النّقد الدّوليّالحكومات الفاسدة، وسوء الإدارة، وعدم التّخطيط، وعدم الكفاءة، وميزانيّات حكوميّة وهميّة، وخلل بميزان المدفوعات، وما إلى ذلك. لا أعرف أين نقع نحن في لبنان من كلّ هذا، أو بالأحرى، في كلّ هذا. شخصيًّا، أتنقّل بين القلق والاستياء والغضب. يقال أنّ لا بديل لنا عن صندوق النّقد الدّوليّ. ليست لنا خياراتٌ أخرى. ويحاول جميعالخبراء الاقتصاديّين والسّياسيّين التّليفزيونيّينارتداء حزمة صندوق النّقد الدّوليّ بحيثيمكن أن يخدم غرضهم الإصلاحيّ وإصلاح الميزانيّة العامّة.” يقال لنا أن نستعدّ للتّقشّف والأوقات الصّعبة، وكأنّنا كنّا نعيش في جنّةٍ من الرّفاهيّة، أو لم نتعب أبدًا من العمل في وظيفتين أو ثلاث، أو لم يُجبر كلّ مواطنٍ فينا على تقديم وافرٍ من التّنازلات والتّضحيات اليوميّة. لا، لم ننس كيف كنّا نعيش. أولئك الّذين يروّجون لخطاب التّقشّف والتّضحية يعرفون فئةً واحدةً من النّاس فحسب، الفئة الّتي ما تعبت أبدًا في حياتها، وهم منها؛ ولكن إلى جانب ذلك، كان أغلبنا مضطرًّا إلى العمل في وظيفتين وأحيانًا ثلاث وظائف من أجل البقاء وبناء مستقبلٍ هنا. طبعًا، هذا كلّه من دون أن نذكر العاطلين عن العمل وانعدام وجود أيّ فرص عملٍ لهم، وهم بالآلاف.

لم يعد سرًّا أنّ أموال النّاس تبخّرت، أموال 98٪ منهم.خرجت الدّولارات ولم تعد” وتمّ تحويل بعضها إلى الخارج على مدى السّنوات الماضية، وأسيئت إدارة الباقي وجرى اختلاسها، وتمّ إنفاق جزءٍ آخر منها للحفاظ على سعر الصّرف المشين؛ سعر الصّرف الّذي يعيد العملة الصّعبة إلى الولايات المتّحدة لكي نحافظ علىقيمةاللّيرة، لأنّ عملة الولايات المتّحدة هي واحدةٌ من صادراتها الرّئيسيّة. وكلّ شيءٍ تدار حوله حروب بالعالم مسعّر بالدّولارالطّاقة، العملة، الموارد الطّبيعيّة، وطبعًا الأسلحة

بالنّسبة إلى أولئك الّذين كانوا يؤمنون باللّيرة، فقد تبخّرت بطريقةٍ مختلفةٍ. لم يعد بإمكاننا شراء ما كنّا نتمكّن من شرائه قبل عامٍ. ارتفعت أسعار السّكّر والحليب والخضراوات والفواكه، وفي بعض الحالات زادت أكثر من الضّعف. في حالاتٍ أخرى، لم يعد مرحّبًا حتّى باللّيرة إذا كانت تستخدم لشراء أجهزةٍ إلكترونيّةٍ أو الدّفع لتصليح سيّارةٍ، إلخ.

خبراء التّلفزيونيغسلون أدمغتنا. نستمع إليهم يوميًّا، على وسائل الإعلام وعلى صفحات التّواصل الاجتماعيّ الخاصّة بهم. يخبروننا كيف نحتاج إلى الاستفادة من هذه الكارثة الّتي نعيشها. يروّجون، بلغتهم، كيف يجب علينا ألّا نقبلمساعدةصندوق النّقد الدّوليّ قبل أن يكون لدينا قضاءٌ مستقلّ، قبل أن نتحكّم بجميع حدودنا البرّيّة والجوّيّة والبحريّة، وأن نتوقّف عن التّهريب. يسردون على مسامعنا قائمةً كاملةً تشبه قائمةً يعدّها طفلًا لسانتا كلوزيجب علينا القيام بهاقبل أخذ أموال صندوق النّقد الدّوليّ، وكلّ هذا مطلوبٌ تنفيذه من هذه السّلطة الفاسدة المالكة لكلّ المعابر الشّرعيّة وغير الشّرعيّة والمتحكّمة بكامل سلطة القضاء.

ولكن، لم يكن هذا هو السّبب الّذي دفعنا للنّزول إلى الشّوارع في 17 تشرين. لم نخرج إلى الشّوارع للعثور على جهةٍ ما لإنقاذنا وفرض إصلاحاتٍعلى سلطتنا. نزلنا إلى الشّوارع لأنّنا كنّا نؤمن فعلّا بتغيير السّلطة الحاليّة. اليوم، هذه السّلطة، وعلى الرّغم من أنّ البعض فيها يمارستباعدًا سياسيًّا“، لا تحمل ثقتنا. هذه السّلطة، دخلت بالقوّة إلى البرلمان وأمّنت النّصاب في جلسة الثّقة. لكنّ هذا لا يعني أنّها تحظى بثقة أيٍّ منّا. فقد كان موقفنا، ولا يزال، تغيير السّلطة الحاليّة.

لن يصحو ضمير السّلطة فجأةً لأنّها سلطةٌ بلا ضمير. لا يأتي التّغيير إلّا من الإيمان بمئات الآلاف الّذين خرجوا إلى الشّوارع في جميع أنحاء البلاد، مؤمنين أنّنا قادمون على إنتاجٍ وفرض سلطةٍ جديدةٍ.

ويبقى السّؤال: لماذا يضطرّ النّاس إلى تصديق أنّ إضافة ديون (من صندوق النّقد الدّوليّ و CEDRE)، والّذي يتمّ التّفاوض عليه من قبل الطّاقم نفسه الّذي قادنا إلى هذه الكارثة، هو طريق الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ لماذا علينا أن نقبل بالمزيد من الدّيون، بينما لا يضطرّون، هم، إلى إعادة أموالنا الّتي نهبوها؟

اقتصاد اليونان يعتمد على السّياحة، الزّراعة (القطن والزّيتون) وبعض الصّناعات. فرغم الفساد وسوء الإدارة، يبقى اقتصاد اليونان مصدر أمنٍ مستقرٍّ، وطبيعته الجذّابة قادرةٌ على جلب استثمارات ونيل ثقة الدّائنين. أمّا لبنان اليوم، فلا سياحة، لا صناعة، لا زراعة، لا استثمار، لا أمن، لا استقرار، لا تحويلات من المغتربين... المنتج الوحيد الّذي نصدّره اليوم هو مشروعٌ وهميٌّ يذهب إليه شبابنا، إلى دولٍ مجاورةٍ، ويعودون إلى أهلهم في الأكفان.

أنا لست نادمًا على الاحتفال بفوز سيريزا (الحزب الّذي نال الأكثريّة في العام 2015 بناءً على شعارلا نحتاج صندوق النّقد”). لقد كان أفضل شيءٍ حدث في ذلك الوقت. يؤسفني الاستسلام لضغوطهم بعد أن كنّا مقتنعين بوجود مخرجٍ آخر. في نهاية المطاف، أدركنا أنّه كان قرارًا سياسيًّا لإنقاذنا، وبمجرّد موافقتنا على شروطهم، حصلنا على أموالهم لإنفاقها على التّسديد للدّائنين، وليس على رفاهيّة الشّعب اليونانيّ.”

لست من الرّاغبين برواية القصص أو نقل الحوادث، لكنّه حوارٌ لا بدّ أن يقرأ لتشابه أوضاعنا مع ما رواه عن اليونان، ولنعلم أنّ الفرق الوحيد والأساس أنّه في اليونان كانت هناك إمكانيّةٌ للإصلاح من داخل السّلطة، أمّا في لبنان فالإصلاح الوحيد الممكن هو إنتاج سلطةٍ بديلةٍ بعيدةٍ كلّ البعد عن هذه الرّموز الحاكمة والمتحكّمة بمصيرنا ومصير مستقبلنا.