همّا مين واحنا مين

همّا مين واحنا مين

بدل الشمعة مولوتوف – تصوير نذير حلواني

ربيع جميل 

لطالما كان طيف الثّنائيّ أحمد فؤاد نجم والشّيخ إمام حاضرًا في وجدان وحناجر المتّظاهرين في انتفاضة ١٧ تشرين. فحين هاجم شبّيحة السّلطة المتظاهرين في الجنوب وبيروت وعكّار وطرابلس والمتن، كان الهتاف “أفلت كلابك في الشّوارع”؛ وحين اعتُقل الرّفاق كان لـ”اقفل زنازينك علينا” الدّور المعنويّ الأساس في كسر حاجز الخوف من الجبروت الأمنيّ؛ ولمّا أعاد طلّاب لبنان الزّخم للانتفاضة، أنشدت السّاحات “رجعوا التّلامذة يا عمّ حمزة”؛ وفي لحظة إسقاط النّاس للحكومة الجامعة لكلّ قوى السّلطة، كان لسان حال البلد “يعيش أهل بلدي”؛ ومع كلّ شهيدٍ وعينٍ قُلِعَت ويدٍ كُسِرَت، كانت “أبّوح يا أبّوح يا طيري يا مبدوح”.

هكذا، رافق الشّيخ إمام ونجم أبرز أحداث ثورة ١٧ تشرين، حتّى مع غلاء الأسعار وعجز حكومة الأحزاب المقنّعة بثوب الاستقلاليّة، كان هناك من يجد في “عن موضوع الفول واللّحمة صرّح مصدر قال مسؤول”، مع استبدال الدّكتور محسن بالدّكتور حسّان الّذي كان يتفقّد الأسعار في واحدٍ من أغلى الأسواق الاستهلاكيّة في لبنان، بيانًا سياسيًّا ضدّ حكومة اللّاشيء سوى الصّور التّذكاريّة. وعند تهريب الفاخوريّ في ليلٍ ونسج قانون العفو عن العملاء، ما كان هناك أفضل من “إحنا معاك… احنا معاك، ريّسنا يا أنور (يُراعى تبديل الاسم حسب الرّغبة)، عاملّي نفسك ولاه بيكادللي وانت مِنفّذ أمر شينكر!”

تبحث قوى السّلطة اليوم عن فرصةٍ للعودة بالانقسام السّياسيّ إلى ما قبل ١٧ تشرين، عبر إنتاج أزماتٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ كما حصل في ليلة السّادس من حزيران ٢٠٢٠، والّتي شكّلت تكرارًا لقدرة أحزاب السّلطة على الدّفع باللّبنانيّين نحو حافّة الاقتتال الأهليّ. هذا السّيناريو الّذي يتكرّر عشيّة كلّ أزمةٍ مصيريّةٍ تواجه القوى المهيمنة. في هذا السّياق، وبالإذن من نجم وإمام، لا يوجد أفضل من استعارة بيانهما السّياسيّ الطّبقيّ الأبرز– هُمّا مين واحنا مين – والّذي سطّرا عبره دستورًا ثوريًّا يحدّد العلاقة بين الظّالم والمظلوم وبين المُستَغِلّ والمُستَغَلّ، بين اللّبنانيّين وقوى السّلطة كلّها. 

همّا مين واحنا مين؟

“همّا أمراء حرب وسلاطين مال، همّا بنوك وعسكر معاهم واحنا النّاس المنهوبين! حزّر فزّر شَغّل مُخّك، شوف مين فينا بينهب مين. احنا مين وهمّا مين؟ علينا دومًا أن نسأل. نحن طبقة المعدمين، المحرومين من فرص العمل اللّائق، المهجّرين في شتات العالم. همّا مين واحنا مين؟ همّا مجالس النّهب في الجنوب والمهجّرين والإنماء والإعمار. همّا حسابات مصرفيّة بمئات الملايين والدّولارات المهرّبة للخارج .همّا سوليدير المنهوبة والأملاك البحريّة. همّا مجرور الإيدن باي الّذي فاض على بيروت، الطّريق السّاحليّ الّذي يغرق في كلّ شتاء. همّا التّهريب في المعابر الشّرعيّة واللّاشرعيّة. حيوانات بشريّة، شُغلتهم قتل الحلم ودفن الأمل. همّا محاور إقليميّة تضرب السّيادة الوطنيّة أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا. همّا نقيضٌ للدّولة السّيّدة الحرّة المستقلّة. حزّر فزّر شغّل مُخّك، شوف مين فينا هو العميل للسّفارات وغير السّفارات، من النّظيف ومن الملوّث بدماء وعرق النّاس المظلومين.

احنا مين وهمّا مين؟

احنا أهالي الـ١٧ ألف مخطوف ومفقود الّذين لم يُكشف مصيرهم لليوم. احنا دموع الأمّهات والآباء في مطار بيروت. احنا أبناء وبنات اللّبنانيّات الممنوعات من الحقّ بالجنسيّة والانتماء. احنا مرضى السّرطان الّذين أعطوا ماءً بدلًا من العلاج في مستشفى بيروت الحكوميّ. احنا حكم القانون الّذي يقتله حكم الأزعر والحقّ بحرّيّة التّعبير والمعتقد اللّذين يوئدهما الشّبّيح. احنا العيون المقلوعة في ساحات بيروت. احنا العمّال المكدّسون في الفان رقم ٤ وغيره، المحرومون من الضّمان الاجتماعيّ. احنا مدّخرات اللّبنانيّين المتبخّرة واللّيرة اللّبنانيّة المنهارة. احنا فقراء الخندق والشّيّاح وعين والرّمّانة وطريق الجديدة المدفوعون دفعًا نحو المواجهة القاتلة. احنا الأسْوَد الّذي قد ترتديه الأمّهات في أيّ حربٍ قادمةٍ. وكادرات الصّور الّتي ستعلّق على الحيطان لقتلى الاشتباكات. احنا محاور طرابلس وجبل محسن الّتي غذّتها السّلطة وحمّتها. احنا العمّال الأجانب واللّاجئون المحرومون من الحقّ بحياةٍ كالحياة. حزّر فزّر شغّل مخّك! شوف مين فينا عدوّ مين!

همّا مين واحنا مين؟

همّا صندوق النّقد ومصالح البنوك وكبار المودعين. همّا صندوق بيع أملاك الدّولة لتعويض المتموّلين. همّا سوناطراك وكارتيل النّفط والفيول المغشوش. همّا محاصصة الاتّصالات والتّهديد وشغل التّخوين. همّا القصور بالملايين، همّا يعيشوا لنحن نموت واحنا بنموت مديونين. همّا يسافروا بطيّارات خاصّة واحنا السّرفيس دوّخنا وداخ. همّا بيمشوا بمواكب أمنيّة تُقطع لها الطّرقات واحنا نُحتجز في الإسعاف منتظرين. همّا حياتهم سرقة ونهب. همّا فصيلة واحنا فصيلة. همّا قتلة واحنا الناس المقتولين. همّا الحرب الأهليّة واحنا الثّورة الشّعبيّة. حزّر فزّر شغّل مخّك! اعرف عدوّك هو مين. 

حادي يا بادي يا عبد الهادي، إلّي تضمن صوت الأعادي؛ لمّا الشعب يقوم وينادي… يا احنا يا همّا في الدّنيا دي.

حزّر فزّر شغّل مخّك، شوف مين فينا حيغلب مين…